انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة قيس حمزة فالح الخفاجي
5/9/2011 2:22:39 PM
الاتجاهات النقدية الحديثة ج2
مهما يكن من أمر فإن الأساس النظري لدراسات التأثير قد تداعى نتيجة ما وجّه إليه من نقد. فالنزعة التاريخية التي بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر قد انحسرت، وكذلك أفل نجم الفلسفة الوضعية. وهكذا اتضح أنّ كتابة تاريخ الأدب القومي مسألة تنطوي على إشكالية كبيرة، وذلك لعدة أسباب، منها أنّ مفهوم "الأدب القومي" نفسه مفهوم إشكالي وخلافي. ما هو الأدب القومي؟ أهو مجموع ما كتب بلغة واحدة من أعمال أدبية؟ ولكن هناك كيانات قومية متعددة يكتب أبناؤها بلغة واحدة، كالإنكليزية والفرنسية. فهل تشكّل آداب كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا ونيوزيلاندا وايرلاندا أدباً قومياً واحداً؟ وهل تشكل آداب فرنسا والكانتون الناطق بالفرنسية من سويسرا ومقاطعة كوبيك الكندية وبعض الأقطار الإفريقية الناطقة بالفرنسية أدباً قومياً واحداً؟ وهل يمكن اعتبار آداب إسبانيا ومعظم أقطار أمريكا الجنوبية أدباً قومياً واحداً؟ وبالمقابل هناك كيانات قومية تسود فيها تعددية لغوية. ففي سويسرا يكتب الأدباء بثلاث لغات، هي الألمانية والفرنسية والإيطالية. فهل نتحدث عن أدب قومي أم عن آداب قومية سويسرية؟ والشيء نفسه يمكن أن يقال عن كندا والعراق والهند وأقطار كثيرة، تشكل من الناحية السياسية كيانات قومية، ولكنها تستخدم لغات متعددة في كتابة الأدب. وأخيراً لا بد من التساؤل: ألا تتجاوز معظم الظواهر الأدبية حدود الأدب القومي الواحد؟ هل تقتصر الأجناس والتيارات والمدارس الأدبية على أدب قومي دون سواه؟ إذا كان الجواب بالنفي، فما معنى الحديث عن "أدب قومي"؟ وضمن أية حدود وقيود يمكن أن يستخدم هذا المفهوم؟ ومن جهة أخرى فإن علامة استفهام كبيرة قد ارتسمت على تاريخ الأدب نفسه. هل يمكن إيواء عدد كبير جداً من الأعمال الأدبية ضمن حظيرة تاريخية واحدة؟ إذا كان تاريخ الأدب هو عرض ما هو مشترك بين الأعمال الأدبية، ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى صرف النظر عن خصوصية كلّ عمل من تلك الأعمال، أي عن أهم ما فيها؟ وهل يتسع أي تاريخ أدب لعرض الأعمال الأدبية كلها التي تنتمي إلى ذلك الأدب؟ كذلك فإن المقاربات النقدية الحديثة تنطلق من داخل النصوص الأدبية، أي من علاقاتها وبناها ومكوناتها الداخلية، وليس من علاقاتها الخارجية. ترى ألا يؤدي ذلك بالضرورة إلى وضع حدّ لأي شكل من أشكال تأريخ الأدب؟ لقد أصبح تأريخ الأدب مسألة إشكالية، وعملاً تحوم حوله الشكوك، وتوجّه إليه الانتقادات، لا بل لم يعد أمراً ممكناً في نظر الكثيرين. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على علم يرى وظيفته في إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية، أي على الاتجاه التاريخي الوضعي(أو المدرسة الفرنسية التقليدية) في الأدب المقارن. أما الفلسفة الوضعية التي مدت الأدب المقارن التقليدي بقسم من أساسه النظري، فقد تعرضت بدورها لانتقادات شديدة من جانب الاتجاهات الفلسفية الجدلية أو الديالكتيكية، مما جعل موقفها بالغ الصعوبة. ولئن كانت الوضعية قد عادت إلى الظهور حديثاً في صورة الوضعية الجديدة (Neopositivismus)، فإنّ زمن الوضعية القديمة قد ولى وإلى غير رجعة وأخيراً وليس آخراً فقد ظهرت اتجاهات ومناهج نقدية جديدة، كالنظرية المادية (الماركسية) للأدب، والبنيوية، والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناصّ، وغير ذلك من الاتجاهات التي تعارضت مواقعها الفكرية مع منطلقات الأدب المقارن التقليدي. وقد سجّلت هذه الاتجاهات انتقادات جذرية وجوهرية على دراسات التأثير والتأثر، فأكملت بذلك سحب البساط النظري والمنهجي من تحتها. ونتيجة لتفاعل الأدب المقارن مع تلك الاتجاهات النقدية ظهرت مدارس مقارنية جديدة، نافست المدرسة الفرنسية القديمة وقدّمت بدائل لها. ولكن هل يعني ذلك أنّ دراسات التأثير والتأثر قد توقفت، ولم يعد هناك من يمارسها، بعد أن تعرضّت أسسها النظرية لكل تلك الضربات؟ ثمة ما يدل على أنّ دراسات التأثير في شكلها التقليدي قد تراجعت في أوروبا وفي الأقطار الغربية عموماً، لا بل إنّ مفهوم "التأثير" نفسه(EINFLUSS / INFLUENCE) قد أصبح موضع ارتياب. ومن يستعرض الدوريات المتخصصة في الأدب المقارن، والإصدارات الجامعية وغير الجامعية المعلقة بهذا المضمار، يجد أن مصطلح "التأثير" قد أصبح من مخلّفات الماضي، وقد اختفى من الدراسات الأدبية المقارنة إلى حدّ بعيد. أمّا العالم العربي فإنّ الدلائل تشير إلى أنه لم يواكب تلك التطورات. فدراسات التأثير والتأثر العربية شهدت حديثاً عصرها الذهبي، بحيث يمكن القول إنّ معظم ما أنتجه المقارنون العرب من دراسات مقارنة تطبيقية يدخل في باب دراسات التأثير. ما تفسير ذلك؟ لماذا لم يتماش الأدب المقارن في العالم العربي مع التوجه العلمي إلى الإقلاع عن دراسات التأثير؟ لماذا تزدهر دراسات التأثير العربية، في الوقت الذي تكاد فيه تختفي في العالم بأسره، حتى في فرنسا، بلد المنشأ بالنسبة لهذا النوع من الدراسات؟ لهذه الظاهرة أسباب متعددة، أولها أنّ هذا النوع من الدراسات هو الأسهل منهجياً وتطبيقياً، لا بل إنه أوضح المناهج المقارنة وأسهلها إطلاقاً. فهو من الناحية التطبيقية عمل توثيقي بالدرجة الأولى، يتمثل في جمع المادة التاريخية التي تدلّ وجود علاقة تأثير وتأثر بين أدب قومي ما وأدب قومي آخر أو آداب قومية أخرى. ومن جهة أخرى فإنّ دراسات التأثير يمكن أن توظّف بسهولة في النقاشات والمعارك الأدبية والنقدية الدائرة في الوطن العربي حول قضايا أدبية كقضية الأصالة والتقليد والتبعية والمثاقفة في الأدب العربي الحديث. إنّ الباحث المقارن الذي يستطيع البرهنة بصورة تجريبية مدعّمة بالوثائق على مدى تأثر مسرحي عربي كسعد اللّه ونوس بمسرح الألماني (بريشت)(B. Brecht)، وعلى تأثر العديد من الروائيين والقاصين العرب بأدب النمساوي فرانز كافكا (Franz Kafka)، يستطيع أن يجعل من حجم التأثير معياراً للحكم على مدى أصالة المتأثرين. فكلما كبر التأثر قلّت الأصالة وفقاً للتصور السائد. وللأسف فإنّ النقاد العرب يستخدمون دراسات التأثير للطعن في أصالة الأدباء العرب، والحطّ من قدرهم الإبداعي، وذلك بإظهارهم في مظهر مقلّدين للأدباء الأجانب. وهكذا حلّت دراسات التأثير عملياً محل دراسات "السرقات الأدبية". فالهدف واحد والنتيجة واحدة في الحالتين، ألا وهي التقليل من شأن الإنجازات الفنية والفكرية للأدب العربي الحديث، والنيل من أصالته، ووضعه في دائرة "التبعية الثقافية" و"الغزو الثقافي" و"الفكر المستورد". ولسوء الحظ فإنّ بعض المقارنين العرب يتصرّفون وكأنهم "شرطة الأدب" التي تسعى إلى ضبط الأدباء العرب "في الجرم المشهود"، ألا وهو جرم التأثر بالآداب الأجنبية. ترى ألا يشكّل هذا الدور الثقافي البوليسي حافزاً لإنجاز المزيد من دراسات التأثير؟ ومن جهة ثانية فإنّ استبدال دراسات التأثير بنوع آخر من الدراسات المقارنة، نوع يعتمد نظرياً على المناهج النقدية الحديثة والمعاصرة، كنظرية الأدب الجدلية والنقد الجديد ونظرية التلقي ونظرية التناص.. الخ، ليس بالأمر السهل. فهو يتطلب استيعاب تلك المناهج استيعاباً وافياً من جهة، وتطوير القدرة على استخدامها تطبيقياً في الدراسات الأدبية المقارنة من جهة أخرى. إلا أنّ استيعاب الفكر النقدي العالمي في الوطن العربي، وإن كانت سرعته تختلف من قطر لآخر، يتمّ ببطء شديد. فالحواجز اللغوية والثقافية بين العرب والعالم كبيرة جداً، وهي تعيق التفاعل الثقافي حتى في مضمار الأدب المقارن. كذلك فإنّ تأصيل المناهج النقدية المعاصرة، وتوظيفها تطبيقياً في الدراسات المقارنة العربية، ليس بالأمر السهل أيضاً، خصوصاً وأنّ بعضاً من تلك المناهج لم يطوّر بصورة وافية إجراءات تطبيقية خاصة بالأدب المقارن. وحتى إذا استوعب المرء الاتجاهات المقارنة الحديثة المنبثقة عن الفكر النقدي الحديث، فإنه ليس هناك ما يضمن أن تستخدم تلك المناهج تطبيقياً بصورة مناسبة، وألاّ يظلّ الالتزام بها نظرياً لا تطبيقياً، بدليل أنّ بعض ممثلي المدرسة الأمريكية في الأدب المقارن العربي، قد نحوا في دراساتهم التطبيقية منحى دراسات التأثير والتأثر الفرنسية التقليدية. وأفضل مثال على ذلك هوالدكتور حسام الخطيب، الذي روّج أفكار المدرسة الأمريكية في العالم العربي، ولكنه نهج نهجاً فرنسياً تقليدياً على الصعيد التطبيقي
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|