انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة ج1

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 4
أستاذ المادة قيس حمزة فالح الخفاجي       5/8/2011 8:32:57 PM

الأدب المقارن والاتجاهات النقدية الحديثة ج1


مبحث من كتاب: الأدب المقارن: مشكلات وآفاق- دراسة، عبده عبود، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 1999: 25-61.

1- تـوطــئة

      الأدب المقارن، في أبسط مفاهيمه وتعريفاته، هو ذلك النوع من الدراسات الأدبية الذي يتمثل جوهره في إجراء مقارنات بين آداب قومية مختلفة، أي بين آداب كُتبت بلغات متعددة. إنّ تجاوز حدود الأدب المكتوب بلغة واحدة هو المسألة الوحيدة التي لا خلاف حولها بين المقارنين على اختلاف اتجاهاتهم ومدارسهم، أمّا المسائل الأخرى فيمكن اعتبارها كلّها خلافية. ولكن حتى حول هذا الحدّ الأدنى فإنّ الاتفاق غير كامل. فمن المقارنين من يريد أن يحصر المقارنة في أدبين قوميين لا غير، وهناك من يريد توسيع دائرة المقارنة لتشمل آداباً قومية متعددة، وهناك أخيراً من يدعو إلى مقارنة الأدب بالفنون الأخرى من موسيقا وتصوير وغيرهما، لا بل إلى مقارنته بميادين المعرفة الإنسانية كلّها كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع.
      لقد ضيّقت الفئة الأولى ميدان الأدب المقارن، إذ حصرته في المقارنة بين أدبين قوميين فقط، كأن يقارن المرء بين الأدب الفرنسي والأدب الألماني، أو بين الأدب العربي والأدب الفارسي. وحجّتها في ذلك أنّ مقارنات كهذه تفضي إلى نتائج محددة ومفيدة، وتخدم العلاقات الأدبية الثنائية، وبذلك فهي تخدم العلاقات الثنائية بين أمّتين، كالفرنسيين والألمان، والعرب والفرس. أمّا الفئة الثانية فهي توسّع دائرة المقارنة بين الآداب القوميّة بحيث تشمل عدة آداب، كأن يدرس المرء علاقات الأدب الفرنسي بالأدب الألماني والإنكليزي والإسباني والإيطالي والروسي وغير ذلك من الآداب القومية. وحجّة هذه الفئة هي أنّ العلاقات الأدبية تتجاوز الإطار الثنائي بطبيعتها، ويندر أن تكون ثنائية. فللأدب الفرنسي مثلاً علاقات بمعظم الآداب الأوروبية وبآداب غير أوروبية، فلماذا نحصر الدرس المقارن في مقارنته بأدب قومي واحد؟ أمّا الفئة الثالثة فلم تكتفِ بالدعوة إلى المقارنة بين الآداب بصورة تتجاوز حدود اللغات والثقافات والأقاليم، دون أن تجعل من أيّ أدب قومي نقطة ارتكاز أو مركزاً، بل وسّعت دائرة الأدب المقارن توسيعاً جذرياً، بحيث يشمل المقارنة بين الأدب وبين ظواهر غير أدبية. وبذلك أصبح البون بين الأدب المقارن كما تفهمه هذه الفئة وبين المفهومين الآخرين للأدب المقارن شاسعاً جداً. ترى أما زالت هناك قواسم مشتركة بين تلك المفاهيم؟ إنّ القواسم المشتركة المتبقية قليلة جداً وتتلخص في:
أ- تجاوز حدود الأدب القومي الواحد.     ب- المقارنة كوسيلة معرفية.
      هذان هما الأمران المتفق عليهما بين المقارنين، وهما اللذان يجمعانهم في علم واحد، أو في فرع واحد من فروع الدراسات الأدبية، له مؤسساته الأكاديمية ودورياته وروابطه التي تتخذ من "الأدب المقارن" عنواناً لها. فالأدب المقارن هو إذاً عنوان عريض فضفاض يؤوي تحت رايته دراسات أدبية متباينة ومتعارضة، لا بل متضاربة، في منطلقاتها وتوجهاتها وإجراءاتها ومناهجها وأهدافها. أمّا الوحدة التي يوحي بها مصطلح "الأدب المقارن" فهي وحدة لا وجود لها إلاّ في الحدود الدنيا. وبالمناسبة فإننا لا نعدّ ذلك أمراً سلبياً، بل دليل تطور وديناميكية. فالتقدم في العلوم الإنسانية لا يتولد عن الانسجام والاتفاق والوحدة، بل يتأتى من الاختلاف والتناقض والتباين والصراع، وما تفرزه هذه العوامل من جدل وديناميكية.
      والمقارنون مختلفون أيضاً حول الغاية من دراساتهم الأدبية المقارنة. لماذا نقارن أدباً قومياً بأدب قومي آخر، أو بعدة آداب قومية؟ لماذا نقارن الأدب بالموسيقا والرسم والفلسفة؟ ما هي الأهداف التي نود التوصل إليها من المقارنة؟ هل المقارنة هدف لذاته أم وسيلة للوصول إلى أهداف معرفية وعلمية؟ من حيث المبدأ فإنّ الأدب المقارن علم، وللعلم أهداف معرفية صرف بالدرجة الأولى. فالمعرفة مسوغ كاف لوجود أيّ علم. ونظراً لأنّ الأدب المقارن علم يقارن الآداب، وأنّ الأدب موضوعه، فإنه مطالب بأن يقدّم مساهمة في معرفة موضوعه. أمّا إذا لم يقدّم مساهمة كهذه، فإنه يفقد مسوغات وجوده، ويكون مصيره التهميش ثم الزوال. فما هي الأهداف المعرفية التي يحققها الأدب المقارن على صعيد معرفة الأدب، وأين تكمن خصوصيتها التي تميز الأدب المقارن عن سواه من مناهج الدراسة الأدبية؟
      لا يقدّم الأدب المقارن إجابة موحدة عن هذا السؤال، بل تختلف الإجابة من مدرسة مقارنة لأخرى ومن اتجاه لآخر، وذلك طبقاً للأسس النظرية والتوجهات التطبيقية لكلّ مدرسة أو اتجاه. ومن هنا تتأتى ضرورة تفحّص الأسس والتوجهات ومراجعتها مراجعة نقدية. وهذا ما نحاول القيام به في هذه الدراسة، وإن يكن بصورة غير كاملة.

2- دراسات التأثير والمنهج التاريخي:

      يرى علماء الأدب المقارن الذين يحصرون ميدان هذا العلم في دراسة العلاقة بين أدب قومي معيّن وأدب قومي أو مجموعة من الآداب القومية أنّ الهدف الذي يسعون إلى تحقيقه هو استقصاء ظواهر التأثير والتأثر بين الآداب القومية المقارنة: كأن يحدد المرء ماذا أعطى الأدب الفرنسي للأدب الألماني من مؤثرات وماذا أخذ منه. أمّا المكسب العلمي أو المعرفي الذي يحققه الأدب المقارن نتيجة لدراسة علاقات التأثير والتأثر بين الآداب فهو ذو طبيعة تاريخية. فعندما يدرس المقارنون ما تمّ بين الأدبين الفرنسي والألماني من تأثير وتأثّر، فإنهم يقدّمون بذلك مساهمة في كتابة تاريخ هذين الأدبين. إنّ الغرض من دراسة علاقات التأثير والتأثّر هو إكمال كتابة تاريخ الآداب القومية. ومن خلال تلك المساهمة يضيف الأدب المقارن إلى تاريخ الآداب جانباً كان مؤرّخو الآداب القومية قد أغفلوه. فقد كانوا يؤرّخون لكلّ أدب قومي بمعزل عن الآداب القومية الأخرى، ولكأنه تاريخ التطور الداخلي لذلك الأدب فقط. لم يعر مؤرخو الآداب القومية اهتماماً لعلاقة كلّ أدب بالآداب القومية الأخرى، إلى أن جاء الأدب المقارن في صورته المبكّرة، أي دراسات التأثير والتأثر، فسدّ تلك الثغرة في تأريخ الأدب، وبيّن أن تاريخ أيّ أدب قومي ليس مجرّد تاريخ ما يجري ضمن ذلك الأدب من تطورات، بل هو أيضاً تاريخ ما يتمّ بينه وبين الآداب القومية الأخرى من تبادل وتفاعل. وعند هذا الحدّ تنتهي مهمة الأدب المقارن، كما تصورها روّاده وتابعوهم من ممثلي "المدرسة الفرنسية القديمة" في الأدب المقارن: إنه العلم الذي يؤرخ للعلاقات الخارجية بين الآداب.
      ولكن ماذا عن الجوانب الجمالية والفنية والذوقية للأدب؟ ماذا عن البنى الداخلية للأعمال الأدبية؟ إنّ الأدب المقارن الذي اتخذ صورة دراسات التأثير والتأثر يكتفي بتأريخ العلاقات الخارجية للأدب، ولا يتطرق إلى الجوانب والأبعاد الجمالية الذوقية: فهو لا يحللها ولا يقيّمها، وجلّ ما يفعله بشأنها هو أن يبيّن العلاقات الخارجية والوسائط والمؤثرات المرتبطة بها. أمّا الأمور الجمالية والفنية فإنّ الأدب المقارن التقليدي(دراسات التأثير) يترك التعامل معها للنقد الأدبي، الذي يعدّه المعنيّ الأوّل والأخير بالأبعاد الداخلية للأدب، فذلك هو مجال اختصاصه. إنّ علاقة الأدب المقارن بالنقد الأدبي تبدو من هذا المنظور علاقة تقسيم عمل، فلكلّ من المنهجين مضماره المحدد الذي يعرف تخومه بدقة: فعلماء الأدب المقارن ليسوا نقاداً، والنقاد ليسوا مقارنين. وما يفصل الأدب المقارن عن النقد الأدبي لا يقتصر على حدود مضمار كلّ منهما، بل يشمل المنهجية والطريقة أيضاً. فللنقد الأدبي طرائقه في مقاربة مواضيعه، وللأدب المقارن، في صورته التقليدية، طرائقه التي تختلف جذرياً عن طرائق النقد الأدبي. فمنهجية الأدب المقارن منهجية تاريخية تجريبية، تتمثل في جمع الوثائق والأدّلة والوسائط وكلّ ما يبرهن بصورة ملموسة ويقينية على وجود علاقات تأثير وتأثر بين أدبين قوميين أو أكثر.
      هكذا فهم الأدب المقارن مضماره ودوره ومنهجه على امتداد فترة طويلة من تاريخه، ساد فيها ما بات يعرف "بالمدرسة الفرنسية التقليدية"، التي دامت من أوائل القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين، عندما ظهرت في ساحة الأدب المقارن اتجاهات ومدارس جديدة، فهمت مضمار الأدب المقارن ووظيفته وأهدافه بصورة أخرى.
      ولنظرة المدرسة الفرنسية التقليدية إلى دور الأدب المقارن وحقله العلمي ومنهجيته أسس وخلفيات نظرية وفلسفية، تأتي في المقدمة منها النزعة التاريخية في دراسة الأدب، تلك النزعة التي انتشرت على نطاق واسع في فرنسا وأوروبا على امتداد القرن التاسع عشر. يرى أصحاب هذه النزعة أنّ تاريخ الأدب هو، في جزء كبير منه، تاريخ مصادره (Quellen) ومواضيعه(Themen) وموادّه الأدبية(Stoffe) التي تنتقل داخل الأدب القومي وبين الآداب القومية بصورة يمكن دراستها وتتبعها بالوثائق والأدلة. فالدراسة المقارنة لتلك الآداب تدلّ على وجود علاقات تأثير وتأثر بينها على أساس من السببية الصارمة. إنّ انتقال مادّة أدبية من أدب إلى أدب قومي آخر ليس مسألة عشوائية، بل هو علاقة تاريخية قائمة على السببية، وهذا ما على الأدب المقارن أن يبرهن عليه بصورة لا تقبل الجدال، أي أن يبيّن مصدر التأثر وواسطته ونتائجه.
      ترافق انتشار النزعة التاريخية في الدراسات الأدبية مع انتشار نزعة أخرى، هي النزعة الوضعيّة(Positivismus)، وهي فلسفة ترى أنّ المعرفة الصحيحة هي التي تستند إلى قاعدة تجريبية أو إمبيرية قابلة للمراجعة بصورة عبر ذاتية. أمّا المعرفة التي تقوم على التخمين والحدس والتفكير والمقارنة فقط، فهي معرفة غير موثوقة ولا يعتدّ بها( ). انتقلت هذه النزعة إلى الدراسات الأدبية أيضاً، ودعا أنصارها، وأبرزهم الناقدان الفرنسيّان سانت- بف(Sainte- Beuve) وتن(H. Tain) إلى تحويل تلك الدراسات إلى علم موضوعي يقوم على أساس تجريبي كالعلوم الأخرى( ). وقد عبّرت النزعة الوضعية عن نفسها في الأدب المقارن من خلال دعوة "المدرسة الفرنسية التقليدية" إلى اعتماد المنهج التجريبي في دراسات التأثير والتأثر، وذلك بعدم الاكتفاء بتخمين وجود التأثير، بل البرهنة على وجوده بالأدلة والوثائق الملموسة التي لا تدع مجالاً للشك.
      شكّل هذا التواؤم بين النزعتين التاريخية والوضعية أساساً نظرياً لما يعرف بالمدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، وهي مدرسة ترى في الأدب المقارن علماً يدرس علاقات التأثير والتأثر(أو التبادل) بين الآداب القومية بطريقة علمية صارمة. وقد أدى هذا الأساس النظري إلى ظهور اتجاه ساد الأدب المقارن ما يربو على قرن وربع القرن من الزمان، وحوّله إلى نوع من الدراسات الأدبية التي لا همّ لها سوى تقصّي علاقات التأثير والتأثر بين الآداب القومية بهدف المساهمة في تأريخها.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم