انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

اثر اللغة العربية على اللغة العبرية

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة علي سداد جعفر جواد       07/02/2020 19:04:39
ثالث عشر/ اثر اللغة العربية على اللغة العبرية
إن أية لغة لابد لها من تطور مستمر وذلك في أي فترة من فترات وجودها، إذ يتنازعها في تطورها عاملان متناقضان هما عامل المحافظة من ناحية وعامل التطور من ناحية أخرى. أن احتكاك اللغات ببعضها يؤدي إلى تداخلها فتتأثر وتؤثر الواحدة في الأخرى، إلا أننا نجد أن العربية أثرت في العبرية في اتجاه واحد، وهذا هو ما مرت به اللغة العبرية حين تطورت وأبدعت تحت تأثير اللغة العربية والثقافة الإسلامية.
فاللغة العبرية، وعلى امتداد عصورها، لم تكن أبداً لغة عبرية خالصة، فهي منذ عصر التوراة، كانت لغة قد استوعبت كلمات من الآشورية والأكادية والآرامية والفارسية واليونانية والرومانية. اقتصرت كتابات اليهود قبل الإسلام على الكتابات الدينية في المقام الأول، فقد كانت معظمها حول تفسير أسفار العهد القديم والتلمود ونظم القصائد الدينية.
ومع ظهور الإسلام كانت أهم مراحل الاتصال باللغة العربية في ظل الدولة الإسلامية، فقد عومل اليهود على أنهم أهل كتاب، فتركت لهم الحرية الكاملة في الدين والثقافة، وهكذا قامت نهضة أدبية ولغوية على يد يهود العالم العربي في القرون الوسطى، فيما اهتموا ولأول مرة بتعميق دراسة النحو في هذه اللغة على طريقة النحاة العرب. فظهر تأثير لغوي وأدبي للغة العربية في اللغة العبرية. لم ينعم اليهود تحت حكم الأمم الأخرى مثلما نعموا تحت حكم العرب في ظل الحضارة العربية الإسلامية ولم يتقدموا بثقافتهم مثلما تقدموا في بلاد المغرب والأندلس وفي مصر في عهد الفاطميين. فهم لم ينهضوا بلغتهم مثلما نهضوا بها في ربوع اللغة العربية، بالرغم من أنهم عاشوا قبل ذلك في ظل الكثير من الأمم مثل اليونان والرومان إلا أن لغتهم لم تتطور كما تطورت نتيجة تأثرها باللغة العربية.
لم تكن العبرية بتراثها القديم المتمثل بنصوص العهد القديم صالحة للتعبير عن مفاهيم النهضة العلمية والأدبية، فالعبرية كانت لغة شبه ميتة كما أنها لم تكن شائعة الاستعمال بين يهود العصور الوسطى، لذلك استخدم علماء اليهود اللغة العربية في تدوين مؤلفاتهم وبحوثهم، وعملوا على الاستعانة بالعربية كمصدر أساسي لسد النقص الذي واجهته العبرية الحديثة للتعبير عن الكثير من متطلبات الحياة العصرية باعتبار اللغة العربية أقرب اللغات السامية الحية إلى اللغة العبرية.
إن تاريخ الفكر اليهودي في الأندلس هو خير مثال على تواصل الحضارات فيما بينها، إذ كانت مرحلة الأندلس تمثل العصر الذهبي الثاني للأدب العبري بعد العصر الذهبي الأول للغة العبرية عصر الكتاب المقدس الذي يعود إلى أيام أنبياء بني إسرائيل وكذلك إلى أيام شعراء العهد القديم، وما زال اليهود يفتخرون إلى اليوم بذلك العصر بسبب ما أثمرت عنه تلك المرحلة من أبداع اليهود في التأليف اللغوي.
ويبدو أن للغويين اليهود دوراً في وضع أبحاث مقارنة بين اللغتين العبرية والعربية، فاللغتان ساميتان وتشتركان بخصائص لغوية عدة وتلك الخصائص سهلة من عملية المقارنة بين اللغتين في أبواب مختلفة وفي ظواهر لغوية عديدة.
وقد عمل علماء اليهود من اللغويين والنحويين في القرن الحادي عشر الميلادي على استعمال أساليب علماء النحو في اللغة العربية لوضع أساس للموازنة بين اللغات السامية لاسيما نحويهم المشهور أبو زكريا يحيى المشهور في تاريخ الأدب العبري باسم ربي يهودا، واشتهر يهودا بن سليمان الذي لقب بالحريري والذي عمل على نقل وترجمة المقامات العربية ومن ثم بدأ بكتابة المقامات العبرية التي كانت تحاكي مقامات الحريري وبديع الزمان الهمداني في السجع العبري، هذا عدا كتب الحكمة والفلسفة والعلوم وما ترجمه اليهود إلى لغتهم من آثار الفكر العربي الكبرى، فلم يكن للغة العبرية نظام نحوي خاص بها من قبل وذلك منذ نزول التوراة، وقد كان تأليفهم لكتب المقارنة بين اللغتين باللغة العربية وبحروف عبرية، وأطلقوا على تلك المؤلفات ما يعرف بالعربية اليهودية.
اقتدى اليهود بالعرب في دراسة الكثير من الظواهر البلاغية في اللغة العربية، فنجد في كتاباتهم أنهم استخدموا المصطلحات العربية كمصطلح (التقديم والتأخير) اعتماداً على معناه في العربية عند ابن جناح في كتابه اللمع. وبذلك ساعدت اللغة العربية وعلومها في نشأة علوم اللغة العبرية ومن أهمها علم النحو العبري وعلم البلاغة العبري، وظهرت فنون أدبية مختلفة لم تكن اللغة العبرية تعرفها من قبل، فلم يكن لليهود قبل ذلك كتابات نثرية عبرية أدبية تعنى بأمور الحياة الدنيوية وتعبر عن أحداث يومية.
كما ظهر تأثر بعض الفلاسفة اليهود لاسيما سعديا بن يوسف الفيومي المعروف بسعديا أبو النحو العبري كما يسميه اليهود، وذلك في القرن الحادي عشر الميلادي الذي ألف في قواعد اللغة العبرية باستعماله العلوم اللغوية العربية مما دفع إلى أن يتبعه عدد آخر من اللغويين اليهود الذين لم يجدوا في اللغة العبرية ما يسعفهم من المصطلحات النحوية ليستخدموها في مؤلفاتهم ومنهم شيخ نحاة اليهود أبو الوليد مروان بن جناح القرطبي الذي ألف كتبه باللغة العربية.
وبدأ اليهود بعد ذلك بتأليف المعاجم اللغوية واشتهر منهم أيضا الفيلسوف سعديا بن يوسف الفيومي أبو النحو العبري الذي ألف أول وأكمل معجم لاشتماله على مسائل لغوية ونحوية، وبطبعتين وباللغتين العربية والعبرية، وقد سماه الجامع متأثراً بكلمة جامع أو الجامع ككلمة مشهورة للكثير من المؤلفات العربية مثل الجامع في تفسير القرآن والجامع في الحديث، كما ظهر العالم اللغوي اليهودي يهودا ابن إبراهيم الذي ألف معجما ضخماً للغة العبرية وسماه الجامع أو جامع الألفاظ، الذي أسهم في إثراء الأدب والثقافة العبرية في ذلك الوقت لكتابته باللغة العربية، وكذلك كتاب الأصول لمروان بن جناح القرطبي، فضلاً عن كتاب الموازنة بين العربية والعبرية لإسحاق بن بارون الذي اقتصر فيه مؤلفة على المواد التي لها نظير في العربية كما كتب أيضاً باللغة العربية، ولجأ اليعيزر بن يهودا إلى اللغة العربية لسد النقص في العبرية عند تأليفه قاموسه المعروف باسم القاموس الكبير.
فضلاً عن النهضة الأدبية الكبيرة في مجال الشعر فقد تناول الشعراء اليهود أغراضاً جديدة، لم تكن شائعة في أوساط اليهود قبل الاختلاط بالعرب، فنظموا قصائدهم على غرار جماليات الشعر العربي. إذ بدءوا يكتبون الشعر بالعبرية على أوزان البحور العربية، وفي بعض الأحيان بالعربية إذ أجادوا نظمه واشتهر الكثير من الشعراء اليهود. لذلك أطلق العالم اليهودي يهوشع بلاو على اللغة العربية التي استخدمها اليهود في الكتابة آنذاك العربية الوسيطة.
إن اليهود لم يتأثروا باللغة العربية فحسب بل تعدى إلى تأثرهم بالعلوم الدينية الإسلامية، فنقلوا إلى لغتهم العلوم الإسلامية، مما أدى إلى تهذيب العقيدة اليهودية فيما يتعلق بالذات الإلهية وصفاتها، فألف الفلاسفة اليهود كتبهم باللغة العربية، ومنهم موسى بن ميمون الذي ألف كتاب (مقالة صناعة المنطق) بالعربية ثم ترجمه إلى العبرية، وكذلك كتاب (السراج) و (دلائل الحائرين) اللذين دونا بالعربية وبحروف عبرية، فبرزت التأثيرات الإسلامية في جوانب عديدة على الفكر اليهودي. لكنها لم تظهر في ترجمتهم للقرآن الكريم والدليل هو محاولاتهم تشويه الإسلام من خلال ترجمة معاني القرآن الكريم .
كل ذلك أدى إلى قولهم بان اللغة العبرية هي أقدر اللغات على نقل مضمون القرآن الكريم كلمة كلمة أي ترجمة معانيه، وذلك لكون العبرية أخت العربية، ولعودة اللغتين إلى الفصيلة نفسها، إضافة إلى التأثير الكبير للعربية على العبرية في إحيائها وتطويرها.


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم