انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

محاضرة8

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 2
أستاذ المادة هدى كاظم وحيد خلف الوطيفي       22/05/2019 07:48:41
تفسير الخوارج
تعدّدت فِرَق الخوارج، وتعدّدت مذاهبهم وآراؤهم، فكان طبيعيًا وهم ينتسبون إلى -
الإسلام، ويعترفون بالقرآن أن تبحث كل فرقة منهم عن أُسس من القرآن الكريم، -
تبني عليها مبادئها وتعاليمها، وأن تنظر إلى القرآن من خلال عقيدتها، فما رأته
في جانبها ولو ادعاءً تمسكت به، واعتمدت عليه. وما رأته في غير صالحها - -
حاولت التخلص منه بصرفه وتأويله، بحيث لا يبقى متعارضًا مع آرائها وتعاليمها.
سلطان المذهب يغلب على الخوارج في فهم القرآن:
والذي يقرأ تاريخ الخوارج، ويقرأ ما لهم من أفكار تفسيرية، يرى أن المذهب قد
سيطر على عقولهم، وتحكَّم فيها، فأصبحوا لا ينظرون إلى القرآن إلا على ضوئه،
ولا يدركون شيئًا من معانيه إلا تحت تأثير سلطانه، لا يأخذون منه إلا بقدر ما
ينصر مبادئهم ويدعو إليها.
فمثلًا : نرى أن أكثر الخوارج يُجمعون على أن مرتكب الكبيرة كافر، ومخلَّد في نار
جهنم، ونقرأ في الكتب التي تكلّمت عن الخوارج فنجد ابن أبي الحديد وهو ممن -
تعرض لهم في كتابه "شرح نهج البلاغة" يسوق لنا أدلتهم التي أخذوها من -
القرآن، وبنوا عليها رأيهم في مرتكب الكبيرة، كما نجده يناقش هذه الأدلة،
ويفندها دليلًا بعد دليل.
ونرى أن نمسك عن مناقشة ابن أبى الحديد لهذه الأدلة، ويكفي أن نسوق للقارئ
الكريم هذه الآيات التي استندوا إليها، ووجهة نظرهم فيها، فهي التي تعنينا في
هذا البحث، وهي التي ترينا إلى أي حدّ تأثر الخوارج بسلطان العقيدة في فهم
نصوص القرآن، فمن هذه الأدلة ما يأتي:
.1 قوله تعالى: }وَللََِّّ عَ لَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله
غَنِيٌّ عَنِ العالمين{]آل عمران: 97 [، قالوا: فجعل تارك الحج كافرًا.
.2 ومنها قوله تعالى: }إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون{]يوسف: 87 ،]
قالوا: والفاسق لفسقه وإصراره عليه آيسٌ من روح الله، فكان كافرًا. - -
.3 ومنها قوله تعالى: }وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ
الكافرون{]المائدة: 44 [، قالوا: وكل مرتكب للذنوب فقد حكم بغير ما أنزل الله.
.4 ومنها قوله تعالى: }فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى*لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى*الذي كَذَّبَ
وتولى{]الليل: 14 - 16 [، قالوا: وقد اتفقنا مع المعتزلة على أنّ الفاسق يصلى
النار، فوجب أن يُسمى كافرًا.
.5 ومنها قوله تعالى: }يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسوّدَّتْ وُجُوهُهُمْ
أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ {]آل عمران: 106 [، قالوا:
والفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم، فوجب أن يكون ممن اسودت،
ووجب أن يُسمى كافرًا، لقوله: }بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ {.
.6 ومنها قوله تعالى: }وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ*ضَاحِكَةٌ مُّ سْتَبْشِرَةٌ*وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا
غَبَرَةٌ*تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ*أولئك هُمُ الكفرة الفجرة{]عبس: 38 - 42 [، قالوا: والفاسق
على وجهه غبرة، فوجب أن يكون من الكفرة الفَجَرة.
.7 ومنها قوله تعالى: }ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور{]سبأ: 17 ،]
قالوا: والفاسق لا بد أن يُجازى، فوجب أن يكون كفورًا.
.8 ومنها قوله تعالى: }إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ
الغاوين{]الحجر: 42 [، وقال: }إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ
مُشْرِكُونَ {]النحل: 100 [، قالوا: فجعل الغاوي الذي يتبعه مشركًا.
.9 ومنها قوله تعالى: }وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ
أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ {]السجدة: 20 ،]
قالوا: فجعل الفاسق مُكَذِّبًا.
.10 ومنها قوله تعالى: }ولكنّ الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ {]الأنعام: 33 ،]
قالوا: فأثبت الظالم جاحدًا، وهذه صفة الكفار.
.11 ومنها قوله تعالى: }وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك فأولئك هُمُ الفاسقون{]النور: 55 ،]
ومنها قوله تعالى: }فَمَن ثَق لَتْ مَوَازِينُهُ فأولئك هُمُ المفلحون * وَمَنْ خَفَّتْ
مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار
وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا
تُكَذِّبُونَ {]المؤمنون: 102 - 105 [، قالوا: فنصّ سبحانه على أن مَن تخف - -
موازينه يكون مكذِّبًا، والفاسق تخف موازينه فكان مكذِّبًا، وكل مكذِّب كافر.
.12 ومنها قوله تعالى: }هُوَ الذي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ {]التغابن: 2 ،]
قالوا: وهذا يقتضي أنّ مَن لا يكون مؤمنًا فهو كافر، والفاسق ليس بمؤمن،
فوجب أن يكون كافرًا.
هذه بعض الآيات التي تمسَّك بها الخوارج في موقفهم من مرتكب الكبيرة الذي لم
يتب، والتي حسبوا أنها حجج دامغة لمذهب مخالفيهم من المسلمين! ولا يسع
الذي يعرف سياق هذه الآيات وسباقها، ويعرف الآيات والأحاديث الواردة في شأن
عصاة المؤمنين، ويتأمل قليلًا في هذه التخريجات والاستنتاجات التي يقولون بها،
لا يسعه بعد هذا كله إلا أن يحكم بأن القوم متعصبون، ومندفعون بدافع العقيدة،
وسلطان المذهب.
وهناك نصوص من القرآن استغلّها أفراد من الخوارج، لتدعيم مبادئهم التي
يشذّون بها عمن عداهم من بعض فِرَق الخوارج، وهي في مظهرها التفسيري
أكثر تعصّبًا، وأبلغ تعنّتًا، فمن ذلك: أن نافع بن الأزرق كان لا يرى جواز التقيّة
التي هي في الأصل من مبادئ الشيعة، ويستدلّ على حُرْمتها بقوله تعالى: }إِذَا
فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله{]النساء: 77 .]
ويرى نجدة بن عامر جواز التقية، ويستدل على ذلك بقوله تعالى: }وَقَالَ رَجُل مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ {]غافر: 28 .]
وأظهرُ من هذا: أنّ نجدة بن عامر كان لا يُصَوِّب نافع بن الأزرق فيما يقول به من
إكفار القَعَدة، واستحلال قتل أطفال مخالفيه، وعدم ردّ الأمانات إلى مخالفيه، وغير
ذلك من آرائه التي شذَّ بها، فأرسل نجدة إلى نافعٍ رسالة يقول له فيها:
"... وأكفرتَ الذين عذرهم الله تعالى في كتابه من قعدة المسلمين وضعفتهم. قال - -
الله عَزَّ وجَلَّ، وقوله الحق ووعده الصدق: }لَّيْسَ عَلَى الضعفآء وَلاَ على المرضى
وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ للََِّّ وَرَسُولِهِ {]التوبة: 91 [، ثم
سمّاهم تعالى أحسن الأسماء فقال: }مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ {]التوبة: - - 91 ،]
ثم استحللتَ قتل الأطفال وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم، - -
وقال الله جَلَّ ثناؤه: }وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى{]الأنعام: 164 [، وقال سبحانه - -
في القَعَدة خيرًا فقال: }وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً
عَظِيماً{]النساء: 95 [، فتفضيله المجاهدين على القاعدين لا يدفع منزلة مَن هو
دون المجاهدين، أَوَما سمعت قوله تعالى: }لاَّ يَسْتَوِي القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ
أُوْلِي الضرر{]النساء: 95 [، فجعلهم من المؤمنين. ثم إنّك لا تؤدي الأمانة إلى مَن
خالفك، والله تعالى قد أمر أن تُؤدَى الأمانات إلى أهلها، فاتق الله في نفسك، - -
واتقِ يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا، فإنّ الله
بالمرصاد، وحكمه العدل، وقوله الفصل. والسلام".
فرد عليه نافع بكتاب جاء فيه: "... وعِبتَ ما دِنْتُ به من إكفار القَعَدة وقتل
الأطفال، واستحلال الأمانة من المخالفين، وسأفسّر ذلك إن شاء الله.
أما هؤلاء القَعَدة: فليسوا كمن ذكرت ممن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم، لأنهم كانوا بمكة مقصورين محصورين لا يجدون إلى الهرب سبيلًا، ولا
إلى الاتصال بالمسلمين طريقًا، وهؤلاء قد تفقهوا في الدين وقرأوا القرآن
والطريق لهم نهج واضح، وقد عرفتَ ما قاله الله تعالى فيمن كان مثلهم إذ - -
قالوا: }كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض{]النساء: 97 [، فقال: }أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً
فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا{]النساء: 97 [، وقال سبحانه: }فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ
رَسُولِ الله وكرهوا أَن يُجَاهِدُو ا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله{]التوبة: 81 ،]
وقال: }وَجَآءَ المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ {]التوبة: 90 [، فأخبر بتعذيرهم،
وأنهم كذبوا الله ورسوله، ثم قال: }سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ {]التوبة: 90 [، فانظر إلى أسمائهم وسماتهم.
وأما الأطفال: فإنّ نوحًا نبي الله كان أعلم باللَّ مني ومنك، وقد قال: }رَّبِّ لاَ تَذَرْ - -
عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً
كَفَّار اً{]نوح: 26 - 27 [، فسمَّاهم بالكفر وهم أطفال وقبل أن يُولدوا، فكيف كان ذلك
في قوم نوح ولا نقوله في قومنا، والله تعالى يقول: }أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ
لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر{]القمر: 43 [؟ وهؤلاء كمشركي العرب لا يُقبل منهم جزية،
وليس بيننا وبينهم إلا السيف أو الإسلام.
وأما استحلال أمانات مَن خالفنا: فإن الله تعالى أحلَّ لنا أموالهم كما أحلَّ دماءهم - -
لنا، فدماؤهم حلال طلق وأموالهم فيء للمسلمين.
ولا شك لدينا في أنّ نافع بن الأزرق متعصب في فهمه للآيات على النحو الذي
جاء في رسالته هذه، وهو تعصب بلغ به إلى درجة المغالطة، وإلا فهو جهل منه
بمواقع كلام الله، ومدلول آياته.
مدى فهم الخوارج لنصوص القرآن:
هذا.. وإنّ الخوارج عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون في التأويل، ولا
يغوصون وراء المعاني الدقيقة، ولا يكلِّفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف
القرآن وأسراره، بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة
سطحية، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه، ولا تتصل بالموضوع
الذي يستدلون بها عليه، لأنّهم فهموا ظاهرًا معطلًا، وأخذوا بفهم غير مراد.
ولقد يعجب الإنسان ويدهش عندما يقرأ ما للقوم من سخافات في فهمهم لبعض
نصوص القرآن، أوقعهم فيها التنطّع والتمسك بظواهر النصوص.
ولكي لا أُتهم بالقسوة في حكمي هذا، أضع بين يدى القارئ الكريم بعض ما جاء
عن القوم، حتى لا يجد مفرًّا من الحكم عليهم بمثل ما حكمت به.
"رُويَ أن عبيدة بن هلال اليشكري اتُهِمَ بامرأةِ حدَّاد رأوه يدخل منزله بغير إذنه،
فأتوا قَطَريًا فذكروا ذلك له، فقال لهم: إنّ عبيدة من الدين بحيث علمتم، ومن
الجهاد بحيث رأيتم، فقالوا: إنَّا لا نقارّه على الفاحشة، فقال: انصرفوا، ثم بعث إلى
عبيدة فأخبره وقال: إنَّا لا نقارّ على الفاحشة، فقال: بهتوني يا أمير المؤمنين، فما
ترى؟ قال: إني جامع بينك وبينهم، فلا تخضع خضوع المُذنب، ولا تتطاول تطاول
البريء، فجمع بينهم فتكلموا، فقام عبيدة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم }إِنَّ الذين
جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ { الآيات ] 11 [ وما
بعدها من سورة النور، فبكوا وقاموا إليه فاعتنقوه وقالوا: استغفر لنا.. ففعل !.
"ويُروى أن واصل بن عطاء وقع هو وبعض أصحابه في يد الخوارج فقال
لأصحابه: اعتزلوا ودعوني وإياهم وكانوا قد أشرفوا على العطب فقالوا: شأنك، - -
فخرج إليهم فقالوا: ما أنت وأصحابك؟ قال: مشركون مستجيرون ليسمعوا كلام
الله ويعرفوا حدوده، فقالوا: قد أجرناكم، قال: فعلِّمونا، فجعلوا يُعلِّمونه أحكامهم،
وجعل يقول: قد قبلتُ أنا ومَن معي، قالوا: فامضوا مصاحبين فإنكم إخواننا، قال:
ليس ذلك لكم، قال الله تعالى: }وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْ مَعَ
كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ {]التوبة: 6[، فأبلِغونا مأمننا. فنظر بعضهم إلى بعض ثم
قالوا: ذلك لكم، فساروا بأجمعهم حتى بلّغوهم المأمن .
ومن الخوارج مَن أدَّاه تمسكه بظاهر النصوص إلى أن قال: "لو أن رجلًا أكل من
مال يتيم فِلْسَيْن وجبت له النار، لقوله تعالى: }إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِير اً{]النساء: 10 [، ولو قَتَل اليتيم أو
بَقَرَ بطنه لم تجب له النار، لأنّ الله لم ينصّ على ذلك .
وهذا هو ميمون العجردي زعيم الميمونية من الخوارج، يرى جواز نكاح بنات
الأولاد، وبنات أولاد الإخوة والأخوات، ويستدل على ذلك فيقول: "إنما ذكر الله -
تعالى في تحريم النساء بالنسب الأُمهات، والبنات، والأخوات، والعمَّات، -
والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأُخت، ولم يذكر بنات البنات، ولا بنات البنين، ولا
بنات أولاد الإخوة، ولا بنات أولاد الأخوات .
ويُروى أن رجلًا من الإباضية أضاف جماعة من أهل مذهبه، وكانت له جارية
على مذهبه قال لها: قدّمي شيئًا، فأبطأت، فحلف ليبيعها من الأعراب، فقيل له:
تبيع جارية مؤمنة من قوم كفار، فقال: }وَأَحَلَّ الله البيع وَحَ رَّمَ
الربا{]البقرة: 275 . ]
وأيضًا نرى أن الخوارج خرجوا على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقالوا:
لِمَ خرجت من بيتها، والله تعالى يقول: }وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ {]الأحزاب: 33 . ]
وأيضًا فإن الأزارقة قالوا: مَن قذف امرأة محصنة فعليه الحد، ومن قذف رجلًا
محصنًا فلا حد عليه ... وهذا لأن الله تعالى نصّ على حدّ قاذف المحصنات، ولم - -
ينصّ على حدّ قاذف المحصنين.
وقالوا أيضًا بأنّ سارق القليل يجب عليه القطع أخذًا بظاهر قوله تعالى: - -
}والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله{]المائدة: 38 .]
وغير هذا كثير نجده عندهم في بطون الكتب، وهو لا يدع مجالًا للشك في أنّ
الخوارج قومٌ سطحيون في فهمهم لآيات القرآن الكريم، وإدراك معانيه.
موقف الخوارج من السُّنَّة وإجماع الأمة، وأثر ذلك في تفسيرهم للقرآن:
ولقد كان من أثر جمود الخوارج عند ظواهر النصوص القرآنية: أنّهم لم يلتفتوا
إلى ما جاء من الأحاديث النبوية ناسخًا لبعض آيات الكتاب، أو مخصّصًا لبعض
عمومياته، أو زائدًا على بعض أحكامه، ويظهر أنّ هذا المبدأ قد تملَّك قلوب
الخوارج، وتسلَّط على عقولهم، فنتج عنه أنْ وضع بعضهم على رسول الله صلى -
الله عليه وسلم هذا الحديث، وهو: )إنّكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني -
فاعرضوه على كتاب الله، وما خالفه فليس عنّي(، فقد قال عبد الرحمن المهدى:
"الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله... إلخ
كما كان من أثر هذا الجمود عند ظواهر القرآن أيضًا: أنّهم لم يلتفتوا إلى إجماع
الأمة، ولم يقدِّروه عند فهمهم لنصوص القرآن، مع أنّ الإجماع في الحقيقة يستند
إلى أصل من الكتاب أو السُّنَّة، وليس أمرًا مبتدعًا في الدين، أو خارجًا على
قواعده وأُصوله.
وفي هذا كله نجد العلامة ابن قتيبة يحدثنا عن بعض أحكامٍ احتجّ بها الخوارج،
وهي مخالفة لإجماع الأُمة، ومناقضة لما صحّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم،
وقالوا: يُبْطلها القرآن، فيقول:
"قالوا: حكمٌ في الرجم يدفعه الكتاب! قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه -
وسلم رجم، ورجمت الأئمة من بعده، والله تعالى يقول في الإماء: }فَإِنْ أَتَيْنَ - - -
بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب{]النساء: 25 [، والرجم
إتلاف للنّفس لا يتبعّض، فكيف يكون على الإماء نصفه؟ وذهبوا إلى أن
المحصنات: ذوات الأزواج. قالوا: وفي هذا دليل على أن المحصنة حدها الجَلْد
"قالوا: حكمٌ في الوصية يدفعه الكتاب! قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه -
وسلم قال: )لا وصية لوارث(، والله تعالى يقول: }كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ -
الموتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين{]البقرة: 180 [، والوالدان وارثان
على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث. وهذه الرواية خلاف كتاب الله عَزَّ وجَل
"قالوا: حكمٌ في النكاح يدفعه الكتاب! قالوا: رويتم أن رسول الله صلى الله عليه -
وسلم قال: )لا تُنكح المرأة على عمَّتها، ولا على خالتها(، وأنّه قال: )يُحَرِّم من -
الرضاع ما يُحَرِّم من النسب(، والله عَزَّ وجَل يقول: }حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ - -
أُمَّهَاتُكُمْ {]النساء: 23 [... إلى آخر الآية، ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمَّتها
وخالتها، ولم يُحَرِّم من الرضاع إلا الأُم المرضعة والأخت بالرضاع. ثم قال:
}وَأُحِل لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ {]النساء: 24 [ فدخلت المرأة على عمتَّها وخالتها، وكل
رضاع سوى الأم والأُخت فيما أحلَّه الله تعالى .
يحدثنا ابن قتيبة بهذا عنهم، ثم يتولى بنفسه الرد عليهم في ذلك كلّه ردًا مسهبًا،
فيه إزالة كل شبهة، ودفع كل حُجَّة وردت على ألسن القوم، ولا نطيل بذكر ذلك.
ومَن أراد الوقوف عليه، فليرجع إليه في تأويل مختلف الحديث ص ) 241 –
250 .)
الإنتاج التفسيري للخوارج:
لم يكن للخوارج من الإنتاج التفسيري مثل ما كان للمعتزلة أو الشيعة أو غيرهما
من فرق المسلمين، التي خلَّفت لنا الكثير من كتب التفسير، وكل ما وصل إلينا من
تفسير الخوارج الأُوَل لم يزد عن بعض أفهام لهم لبعض الآيات القرآنية تضمّنها
جَدَلُهم، واشتملت عليها مناظراتهم، وذكرنا لك منها كل ما وصل إلى أيدينا،
وجميع ما استخلصناه من بطون الكتب المختلفة.
أن الإنتاج التفسيري للخوارج كان قليلًا بالنسبة لإنتاج غيرهم من فِرَق الإسلام،
ومع هذا فلم تحتفظ المكتبة الإسلامية من هذا النتاج القليل إلا ببعض منه، لبعض
العلماء من الإباضية في القديم والحديث ومن تفسيراتهم :
.1 تفسير عبد الرحمن بن رستم الفارسي، من أهل القرن الثالث الهجري.
.2 تفسير هود بن محكم الهواري، من أهل القرن الثالث الهجري.
.3 تفسير أبي يعقوب، يوسف بن إبراهيم الورجلاني، من أهل القرن السادس
الهجري.
.4 داعي العمل ليوم الأمل، للشيخ محمد بن يوسف إطفيش، من أهل القرن
الحاضر.
.5 هميان الزاد إلى دار المعاد، له أيضًا.
.6 تيسير التفسير، له أيضًا.
أسباب قِلَّة إنتاج الخوارج في التفسير:
وأنت ترى أنّ هذه الكتب المذكورة ما وُجِد منها وما لم يُوجد كلها للإباضية - -
وحدهم، ولعل السرّ في ذلك: أنّ جميع فِرَق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم
يبق لها أثر.
أمّا الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر في بلاد المغرب،
وحضرموت، وعُ مان، وزنجبار.
ولكن بقي بعد هذا سؤال يتردد في نفسي، ولعلّه يتردد في نفس القارئ أيضًا
وهو: ما السر في أن الخوارج قَل إنتاجهم في التفسير؟
والجواب عن هذا السؤال كما أعتقد ينحصر في أُمور ثلاثة وهي ما يأتي: - -
أولًا : أنّ الخوارج كان أكثرهم من عرب البادية، ومن قبائل تميم على الأخصّ،
وقليل منهم كان يسكن البصرة والكوفة مع احتفاظه ببداوته، فكانوا لغلبة البداوة
عليهم أبعدَ النّاس عن التطور الديني، والعلمي، والاجتماعي، وكانوا يمثّلون
الإسلام الأوّل في بساطته، وعلى فطرته، بدون أن تشوبه تعاليم الأُمم الأُخرى،
أضف إلى ذلك: احتفاظهم بأهم خصائص أهل البدو من سذاجة التفكير، وضيق
التصور، والبُعْد عن التأثر بحضارة الأمم المجاورة لهم.
ثانيًا: أنهم شُغِلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم، وكانت حروبًا قاسية وطويلة
ومتتابعة، أسلمتهم حروب علي t إلى حروب الأمويين، وأسلمتهم حروب الأمويين
إلى حروب العباسيين التي تركتهم في حالة تُشبه الاحتضار، وتؤذن بالفناء، فكان
من الطبيعي أن لا تدع الحرب لهم من الوقت ما يتسع للبحث والتصنيف.
ثالثًا: أنّ الخوارج مع ما هم عليه من شذوذ كانوا يخلصون لعقيدتهم، - -
ويتمسّكون بإيمانهم إلى حدٍّ كبير، ويرون أنّ الكذب جريمة من أكبر الجرائم، وبه
عند جمهورهم يخرج الإنسان من عِداد المؤمنين، فلعلّ هذا دعاهم إلى عدم - -
الخوض في تفسير القرآن، وجعلهم يتورّعون عن البحث وراء معانيه، مخافةَ أن
لا يصيبوا الحق فيكونوا قد كذبوا على الله، وقد سُئِل بعضهم: لِمَ لَمْ تُفسِّر القرآن؟
فقال: "كلما رأيت قوله تعالى: }وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل * لأَخَذْنَا مِنْهُ
باليمين * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين{]الحاقة: 44 - 46 [ أحجمت عن التفسير".
من أجل هذا كله لم يكن يُنتظر من الخوارج أن يُؤلِّفوا لنا في التفسير كما ألفَ
غيرهم، وليس التفسير وحده هو الذي حُرِم من تصنيف الخوارج وتأليفهم، بل كل
العلوم في ذلك سواء، وما وُجِد لهم من مؤلفات في علم الكلام، أو الفقه، أو
الأُصول، أو الحديث، أو التفسير، أو غير ذلك من العلوم فكله من عمل الإباضية
وحدهم، لأنّ هذه الفِرْقة هي التي عاشت وانتشرت في كثير من بلاد المسلمين،
واستمرت إلى يومنا هذا، وتأثرت بتعاليم المعتزلة وغيرهم، وسايرت التطور
العلمي والاجتماعي.
وبعد.. فهذا هو تراث الخوارج في التفسير، وهو تراث نادر عزيز، وما وُجِد منه
أندر وأعزّ، وأرى أن أكتفي بالكلام عن "هميان الزاد إلى دار المعاد" وحده،

المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم