انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

محاضرة 8

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة سحر كاظم حمزة المنصوري       12/03/2019 13:11:44
النثر الجاهلي / المحاضرة الثامنة القسم الأول
الخطابة:

ليس بين أيدينا نصوص وثيقة من الخطابة الجاهلية، لما قلناه من بعد المسافة بين العصر الذي قيلت فيه عصور تدوينها؛ ولذلك كان ينبغي أن نحترس مما رواه منها صاحب الأمالي وصاحب العقد الفريد، فأكثره أو جمهوره منحول؛ على أن اتهامنا لنصوصها لا ينتهي بنا إلى إنكارها على الجاهليين؛ بل إنه لا ينتهي بنا إلى إنكار ازدهارها كما حاول بعض الباحثين؛ فقد كان كل شيء عندهم يؤهل لهذا الازدهار؛ إذ لم يكن ينقصهم شيء من الحرية، وكثرت المنازعات والخصومات بينهم والدعوة إلى الحرب مرة وإلى العلم مرة أخرى. وقد اتخذوا من مجالسهم في مضارب خيامهم ومن أسواقهم ومن ساحات الأمراء ووفاداتهم عليهم ميادين لإظهار براعتهم وتفننهم في المقال وحوك الكلام. وأسعفتهم في ذلك ملكاتهم البيانية وما فطروا عليه من خلابة ولسن وبيان وفصاحة وحضور بديهة؛ حتى ليقول الجاحظ: "وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال، وكأنه إلهام، وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة؛ وإنما هو أن يصرف وهمه إلى الكلام.. عند المقارعة أو المناقلة أو عند صراع أو في حرب، فما هو إلا أن يصرف وهمه إلى جملة المذهب وإلى العمود الذي إليه يقصد، فتأتيه المعاني أرسالًا "أفواجًا" وتنثال عليه الألفاظ انثيالًا.. وكان الكلام الجيد عندهم أظهر وأكثر، وهم عليه أقدر، وله أقهر، وكل واحد في نفسه أنطق، ومكانه من البيان أرفع، وخطباؤهم للكلام أوجد، والكلام عليهم أسهل، وهو عليهم أيسر.. من غير تكلف ولا قَصْد ولا تحفظ ولا طلب"وكل ذلك عمل على ازدهار الخطابة في الجاهلية، وأن تتناول أغراضًا مختلفة؛ فقد استخدموها في منافراتهم ومفاخراتهم بالأحساب والأنساب والمآثر والمناقب، كمنافرة علقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل إلى هرم بن قطبة الفزاري ومنافرة القعقاع بن معبد التميمي وخالد بن مالك النهشلي إلى ربيعة بن حذار الأسدي واستخدموها في الحض على القتال وبعث الوجدة في نفوس قبائلهم ودفعها إلى نيران الحرب وتراميهم في أوارها كأنهم الفراش، يقول أبو زُبَيْد الطائي:
وخطيبٍ إذا تمعَّرتِ الأَوْ
جُهُ يومًا في مَأْقِطٍ مشهودِ


ويقول عامر المحاربي في مديح قومه:
وهم يَدْعَمُونَ القولَ في كل موطنٍ
بكل خطيبٍ يترك القوم كُظَّما

يقول فلا يَعْيا الكلامَ خطيبُنا
إذا الكربُ أَنْسى الجِبْسَ أن يتكلما


وكما كان يدعو خطباؤهم إلى الحرب وسفك الدماء كانوا يدعون إلى الصلح وإصلاح ذات البين، وأن تضع الحرب أوزارها، يقول ربيعة بن مقروم الضبي:
ومتى تَقُمْ عند اجتماع عشيرةٍ
خطباؤنا بين العشيرة يُفْصَلِ

وكانوا كثيرًا ما يخطبون في وفادتهم على الأمراء؛ إذ يقف رئيس الوفد بين يدي الأمير من الغساسنة أو المناذرة؛ فيحييه متحدثًا بلسان قومه. وفي السيرة النبوية ما يصور جانبًا من هذه الوفود؛ إذ وفد كثير منها على الرسول منذ السنة الثامنة، وكان يقوم خطيب الوفد بين يديه متحدثًا، ويرد عليه خطيب الرسول على نحو ما هو معروف عن وفد تميم وخطبة عطارد بن حاجب بن زرارة بين يديه. وكان ذلك سنة شائعة بينهم في الجاهلية حين يفدون على الأمراء أو على من له رياسة وسيادة، يقول أوسل بن حجر في رثاء فضالة بن كلدة:
أبادُ لَيْجَةَ من يَكْفي العشيرةَ إذ
أمسوا من الخَطْبِ في نارٍ وبَلْبَالِ

أم من يكون خطيبَ القوم إذ حَفلوا
لدى الملوك ذوي أيدٍ وأَفْضال

وقد يَنْبرون في الأسواق العظام ينصحون قومهم ويرشدونهم، على نحو ما هو معروف عن قُسٍّ وخطبته بسوق عكاظ. وربما نصح الخطيب عشيرته وقومه الأقربين، كبعض ما يروى عن عامر بن الظرب وأكثم بن صيفي. وكان من عادتهم في الزواج، وخاصة زواج أشرافهم وأبنائهم أن يتقدم عن الخاطب سيد من عشيرته، يخطب باسمه الفتاة التي يريد الاقتران بها، وخطبة أبي طالب للسيدة خديجة للرسول، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وآله وَسَلَّم، مشهورة. ويقول الجاحظ: "كانت خطبة قريش في الجاهلية –يعني خطبة النساء-: باسمك اللهم ذكرت فلانة، وفلان بها مشغوف، باسمك اللهم، لك ما سألت، ولنا ما أعطيت". ويقول كان من عادة العرب في هذه الخطبة أن يطيل الخاطب ويقصر المجيب. ويتحدث عن خطابتهم عامة فيقول: "اعلم أن جميع خطب العرب من أهل المَدَر والوبر والبدو والحضر على ضربين منها الطول، ومنها القصار، ولكل ذلك مكان يليق به وموضع. يحسن فيه. ومن الطوال ما يكون مستويًا في الجودة ومتشاكلًا في استواء الصنعة، ومنها ذوات الفقر الحسان والنتف الجياد.. ووجدنا عدد القصار أكثر ورواة العلم إلى حفظها أسرع"
وليس كل ما يدل على ازدهار الخطابة في الجاهلية ما رأيناه آنفًا من تعدد أنواعها وخوضها في أغراض مختلفة من المصاهرة أو الوفادة على الأمراء أو النصح والإرشاد أو الدعوة إلى الحرب أو الكف عن القتال أو في المنافرات والمفاخرات؛ فقد استقر في نفوس العباسيين وعلى رأسهم الجاحظ أنهم كانوا يكثرون من الخطب وأن قبيلة من القبائل بل عشيرة من العشائر لم تكن تخلو من خطيب، وهو يسوق في البيان والتبيين أثباتًا طويلة بأسمائهم ومواقفهم مُوردًا من حين إلى حين فقرًا وشَظايا من أقوالهم. ولعل من الخير أن نعرض أطرافًا من ذلك، حتى تتضح لنا هذه النهضة الخطابية عندهم من بعض وجوهها؛ وخاصة أننا لا نطمئن إلى ما يروى لهم في كتب الأدب والتاريخ من خطب، ومن ثم سنعمد عمدًا إلى سرد أسماء خطبائهم من جهة وإنشاد بعض الأشعار التي تصور بيانهم وبراعتهم في هذا اللون من ألون نثرهم، لما هو معروف من أن الشعر يمكن أن ينقل عن طريق الرواية آمادًا من الأزمنة بفضل ما فيه من موسيقى تحفظه من الاضطراب على ألسنة الرواة وتحولُ بينه وبين دخول خلل واسع في صُوَره الأصلية.
وإذا رجعنا نستعرض أسماء خطبائهم وجدنا البيان والتبيين يموج بهم من مثل: قيس بن شماس في يثرب، وابنه ثابت وهو خطيب النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم. ومن خطباء الأنصار أيضًا: سعد بن الربيع، وهو الذي اعترضت ابنته النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؛ فقال لها: "من أنت؟" قالت: ابنة الخطيب النقيب الشهيد سعد بن الربيع. أما مكة فمن قدماء خطبائها هاشم وأمية، ونُفيل بن عبد العُزى جد عمر بن الخطاب، وإليه تنافر عبد المطلب بن هاشم وحرب بن أمية. ويظهر أنه كان بها خطباء كثيرون، وربما كان مما هيأ لكثرتهم وجود دار الندوة بها، وهي تشبه مجلس شيوخ مصغر، كانوا يجتمعون فيها ويخطبون ويتحاورون، وممن عرف فيها بالخطابة عتبة بن ربيعة وسهيل بن عمرو الأعلم، وهو الذي قال فيه للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "يا رسول الله، انزع ثنيتيه السُّفليين حتى يُدْلَع لسانه فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا" فقال الرسول عليه السلام: "لا أمثل فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًّا، دعه يا عمر؛ فعسى أن يقوم مقامًا تحمده" وممن اشتهروا بالخطابة في القبائل عامر بن الظرب في عدوان، وربيعة بن حذار في أسد، وحنظلة بن ضرار في ضبة، وقد طال عمره حتى أدرك يوم الجمل، وعمرو بن كلثوم في تغلب، وهانئ بن قبيصة في شيبان، وهو خطيب يوم ذي قار، وزهير بن جناب في كلب وقضاعة، وابن عمار في طيء، وهو خطيب مذحج كلها. ومن خطبائهم لبيد بن ربيعة العامري، ومن قوله:وأَخْلُفُ قُسًّا ليتني ولو انني وأُعْيا على لقمانَ حكمَ التدبُّر وهَيْذان بن شَيْخ الذي قال فيه الرسول صلوات الله عليه: ربَّ خطيب عبس، وخُوَيْلد بن عمرو والعُشَراء بن جابر الغطفانيان، ومن خطباء غطفان أيضًا قيس بن خارجة بن سنان الذي خطب في حرب داحس والغبراء يومًا إلى الليل وهَرِم بن قطبة الفزاري الذي احتكم إليه علقمة بن عُلاثة وعامر بن الطفيل؛ فقال لها، كما مر بنا: "أنتما كركبتي البعير الأدْرَمِ –الفحل- تقعان على الأرض معًا" ومن خطباء تميم المفوهين: أكثم بن صيفي، وضمرة بن ضمرة، ويروى أنه لما دخل على النعمان بن المنذر زَرَى عليه للذي رأى من دمامته وقصره وقلته؛ فقال للنعمان: "تسمع بالمعيدي لا أن تراه" فقال: أبيتَ اللَّعن! إن الرجال لا تُكال بالقُفْزان4 ولا توزن بالميزان، وليست بمُسوكٍ يُسْتَقَى بها، وإنما المرء بأصغريه: بقلبه ولسانه، إن صال صال بِجَنَان، وإن قال قال ببيان". ومن خطباء تميم أيضًا عطارد بن حاجب بن زرارة وهو خطيب وفدها، كما مرَّ بنا، بين يدي الرسول، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري، ولم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه ، ويروى أن الرسول سأله عن الزبرقان بن بدر فقال "مانع لحوزته، مطاع في أدنيه" فقال الزبرقان: "أما إنه قد علم أكثر مما قاله، ولكنه حسدني شرفي" فقال عمرو: "أما لئن قال ما قال؛ فو الله ما علمته إلا ضيق الصدر، زَمِرُ المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى؛ فلما رأى أنه قد خالف قوله الآخر قوله الأول ورأى الإنكار في عيني رسول الله قال: "يا رسول الله! رضيت فقلت: أحسن ما علمت، وغضبت فقلت: أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الآخرة" فقال رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، عند ذلك: "إن من البيان لسحرًا" . ومن خطباء بني منقر التميميين أيضًا قيس بن عاصم الذي قال فيه الرسول، صلوات الله عليه، حين رآه: "هذا سيد أهل الوبر" ، وهو الذي قال فيه عبدة بن الطبيب حين مات:
وما كان قيسٌ هُلْكُهُ هُلْك واحدٍ
ولكنهُ بُنْيانُ قومٍ تهدَّما


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم