انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة حسن غانم فضالة الجنابي
11/10/2018 12:03:55
المحاضرة الثالثة بنية مفهوم الحداثة وعناصرها عند جماعة الديوان إن حداثة مدرسة الديوان انمازت بأفكارها التحديثية التي جاءت بطرائق ارسالهم المختلفة، وقارئ مادة هذه الطرائق يجد بأن افكارهم هذه لاتبتعد عن المرجع الأوربي والمرجع العربي، لكنها لم تكن في المرجعين مرتبطة بعلاقات فيما بينها في ضمن بنية واحدة، والذي قام به شعراء الديوان هو عملية مزاوجه بين افكار المرجعين لتكوين بنية واضحة تتألف من مجموعة من العناصر التي تقوم عليها حداثتهم. واهم عناصر بنية مفهوم الحداثة عند مدرسة الديوان هي:
1. الذاتية: إن الذاتية التي طالب بها (العقاد) تعني ان يعبر الشاعر عن ذات نفسه بكل دقة وصدق بحيث يستطيع المرء ان يكتشف شخصية الشاعر من خلال شعره(1)، ولذلك يرى ان شعر الصنعة في شعر (احمد شوقي) ارتفع إلى ذروته العليا وان شعر الشخصية هبط إلى حيث لاتبين لمحة من الملامح ولا قسمة من القسمات التي يتميز بها انسان عن سائر الناس(2). ثم يوضح ذلك بقوله: "فإذا عرفت شوقياً في شعره، فانما تعرفه بعلامة صناعته، واسلوب تركيبه ، كما تعرف المصنع من علامته المرسومة على السلعة المعروضة، ولكنك لاتعرفه بتلك المزية النفسية التي تنطوي وراء الكلام وتنبثق من اعماق الحياة"(3). ويرى ان شعره شعر بعيد عن اعماق الوجدان، وشعر قشور وطلاء ومشاعر زائفة(4). ومرد ذلك كله إلى مفهوم الشعر عند (العقاد)، اذ يرى ان الشعر يكون شعراً اذا كان صادراً عن موهبة تلقائية، وسوى ذلك يكون صنعة(5)، أي الذي لا يجيء نتيجة موهبة فنية وانما يجيء نتيجة ذكاء(6)، وبذلك صب (العقاد) اهتمامه على الطاقة التي تولد المعاني والصور الذهنية وما يلابسها من خواطر جميلة تستيقظ في النفس(7). مؤكداً " ان الانسان لم ينظم الا للباعث الذي من أجله صور او وضع التماثيل او غنى او وضع الألحان"(8). وأما (المازني) فيرى ان الشعر "في اصله فن ذاتي يحاول الشاعر ان يرضي نفسه به ويتعلل ويتلهى"(1)، فالشعر عند (المازني) تنفيس عن نفس صاحبه(2)
2. الصدق والإخلاص: صب (العقاد) اهتماماً كبيراً على قضية الصدق والاخلاص في مقدمته لديوان (المازني)(6)، وأكد "ان شعر الطبع والاخلاص غير شعر الصنعة والتقليد"(7). واهتم بهذا المبدأ ايضاً في كتابه (شعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي) اذ أراد من الشاعر أن يعبر عن ذات نفسه بكل دقة وصدق بحيث يستطيع المرء ان يكتشف شخصية الشاعر من خلال شعره(8)، وأن يعبر عن العواطف الانسانية الصادقة(9) لان "الشاعر من يشعر بجوهر الاشياء، لا مَن يعددها، ويحصي أشكالها والوانها، وان ليست مزيته ان يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وانما مزيته ان يقول ماهو، ويكشف لك عن لبابه وصلة الحياة به"(1) فـ(العقاد) يرى ان الشعر هو حقيقة الحقائق ولب اللباب، وعلى الشاعر ان يعبر بكل اخلاص عن التجربة الشعورية الخاصة به، لان الشعر الذي لايعطينا صورة صادقة عن تجربة ناظمة، شعر كاذب وزائف(2). ويتضح من رأي (العقاد) ارتباط الصدق بـ(بصمة الذات).
وقد عبّر (العقاد) عن هذه الفكرة في شعره فقال(3): والشعر ألسنة تفضي الحياة بهـا إلى الحياة بما يطويه كتمان
لولا القريض لكانت وهي فاتنـة خرساء ليس لها بالقول تبيان
مادام في الكون ركن للحياة يرى ففي صحائفه للشعر ديـوان
3. مهاجمة التقليد والمحاكاة: هاجم (العقاد) التقليد والمحاكاة في الشعر(1)، وجعله أحد مثالب شعر شوقي(2) ورأى في تكرار شوقي للقوالب اللفظية والمعاني تقليداً(3). ورأى (العقاد) أن آفة التقليد والمحاكاة في الادب العربي قتلت فيه البراعة والصدق(4)، والشاعر المصاب بهذه الآفة ما هو الا من ينسى نفسه وشعوره الداخلي، ويأخذ برأي غيره، من غير نظر وبصيرة، خلاف الشاعر التلقائي الذي يأتي بشعر صادق الشعور وبتعابير جميلة(5). ولهذا نقد (العقاد) شعراء التقليد المعاصرين له في مقدمته لديوان (شكري)، اذ قال: "ليس لشعر التقليد فائدة قط، وقل ان يتجاوز أثره القرطاس الذي يكتب فيه او المنبر الذي يلقى عليه، وشتان ما بين كلام هو قطعة من نفس، وكلام هو رقعة في طرس"(6). ومن هنا فالشاعر العبقري عند (العقاد) هو الذي يعبر عن تجربته الشعورية ، فتكون معانيه بناته، التي من لحمه ودمه، وأما الشاعر المقلد للاقدمين فتكون معانيه ربيباته، غريبات عنه، وأن دعاهن باسمه، ولا تكون هناك اية فائدة لشعر الشاعر المقلد مهما بلغ درجة اتقانه للقديم(7). ورفض (العقاد) التحدي والمعارضة في الشعر، اذ قال: "حسب بعض الشعراء اليوم انه ليس على احدهم ان اراد ان يكون شاعراً عصرياً إلا ان يرجع إلى شعر العرب بالتحدي والمعارضة، فيصف البخار والآلات والمؤسسات، اذ كانت العرب قد وصفت الابل والخيام والصحراء، وليس له إلاّ أن يسمي اسماء جديدة بدلاً من أسماء دعد وهند ورباب وسعاد ولبنى التي كانت للأقدمين"(8) فـ(العقاد) يرفض ما توهمه الشعراء الاحيائيون وشعراء الكلاسيكية المحدثة من ان الحداثة تعني وصف المخترعات في اشعارهم بدلاً من وصف الابل والخيام، ويتبنى التعبير عن تجربة انفعالية متخلقة في ذهن الشاعر، ولذلك تتحقق الحداثة "عندما يشعر الشاعر ان له شيئاً يقوله، ويستحق هذا الشيء ان يقال"(1). ورفض (المازني) التقليد، فهو يقول: "الاصل في الشعر وسائر الفنون الأدبية على اختلافها وتباين مراميها وغاياتها، النظر بمعناه الشامل المحيط، وإذا كان هذا كذلك أفليس من العبث تقليد السلف والاقتصار على احتذائهم والاقتباس منهم"(2). وسخر من محافظة شعراء النهضة وشعراء الكلاسيكية المحدثة على الصيغ الرصينة التي يستمدونها من القدامى، اذ يرى ان هذه الصيغ حولت اشعارهم إلى نسخ متشابهة، خالية من التميز، لانهم لايصورون خوالجهم النفسية، ولانهم بعيدون عن روح عصرهم(3). وانهم حملوا انفسهم إلى اجواء الشعراء القدامى ونهجوا منهجهم في بناء قصائدهم، وهذا يدل على عجزهم في الخلق الفني(4). ويؤكد (المازني) انتقاده شعراء التقليد، اذ يرى ان الشاعر الحديث المقلد يمتلك اعيناً كأسلافه وقوة حاسة كقواهم، ومادة الشعر لاتفنى ولا تذهب لأن الشعر ليس شيئاً محدداً ومستمراً في الحياة(5). 4. إعلاء شأن الخيال والعاطفة: لم يرق شعر شوقي للعقاد لأنه يزخر بالصنعة ولا يعبر عن العواطف الانسانية الصادقة(2)، ولان الشعر عند (العقاد) لايصدر إلاّ عن الخيال والعاطفة(3) فهو صناعة توليد العواطف الصادقة(4)، والشاعر هو من يَشْعُر ويُشْعِر(5)، وهو من يشعر بجوهر الاشياء لا من يحصي الوانها واشكالها(6)، بمعنى ان الشعر هو الفن الذي يعبر عن الوجدان والعاطفة. اما دور الخيال في الشعر، فيقول (العقاد): "إنه ملكة تعين على الصدق والصواب"(7). وجعل (المازني) العاطفة سبباً في وجود الوزن في الشعر، إذ قال: "ان كل عاطفة، عندما تسيطر على الروح وتنساب باعتدال [...] تبحث دائماً عن لغة تلائم انسيابها ... فالعواطف العميقة الدائمة كانت دائماً تبحث عن تعبير لها في لغة موزونة، فكلما عمقت المشاعر كانت التراكيب الموزونة اكثر بروزاً وتأثيراً"(8) فـ(المازني) يرى ان "العاطفة في الشعر هي الأصل في هذه الحسنات التي يخلعها عليه قائله"(9)، وأكد (المازني) بعبارة موحية اعلاء شأن العاطفة، اذ قال: "ثم تأمل الشعر، أليس شعوراً مترجماً وقصة مروية وخاطراً مجلوّاً"(10). اما الخيال عند (المازني)، فيعبر عنه تعبيراً يقترب من وظيفة الخيال الثانوي عند (كولردج)(1)، اذ يقول (المازني): "ليست قدرة الشاعر هنا في أنه أوجد شيئاً من العدم فذاك محال ولكن قدرته في أنه استطاع أن يكون صورة من أشتات صور وأن يحضر الصورة المؤلفة إلى ذهنه إحضاراً واضحاً"(2). ). ورأى (شكري) ان الشاعر الكبير لاينظم الا عند الانفعال العصبي لانها لحظة تضارب العواطف في القلب، اما في غير هذه النوبات فالشعر يأتي بارداً فاتر العاطفة(4)، وان "الشعر ما اشعرك وجعلك تحس عواطف النفس احساساً شديداً إلا ما كان لغزاً منطقياً او خيالاً من خيالات معاقري الحشيش"(5) وانه "ما اتفق على نسجه الخيال والفكر ايضاحاً لكلمات النفس وتفسيراً لها"(6). وقد هاجم (شكري) الشعراء الذين لا يؤمنون بدور العاطفة في احياء الشعر وصدقه وتجاوبه مع حاجات الانسان(7). وقد صاغ (شكري) رأيه في علاقة الشعر بالعاطفة وحرص على ابراز أثر العاطفة الحقة في شعره، اذ قال(8): ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدان وصاغ سخريته من الشعراء الذين تدفعهم الصناعة إلى قول شعر خال من العاطفة، قائلاً (1): يبيت طوال الليل يقدح رأيــه كما قدح المقرور صخر زناد
يعالج في نسج القريض قصيدة كأن له فيها شـديد جــلاد
فيأتي بها كالبكر قد طال حبسها تحدث فينا من ثمود وعــاد
ويزحر كالحبلى اذا آن وضعها ولكنـه زحـر بغيـر ولاد
5. الوحدة العضوية: تضمن كتاب (الديوان) دعوة (العقاد) و(المازني) للوحدة العضوية للقصيدة، اذ جاء فيه: "ان القصيدة ينبغي ان تكون عملاً فنياً تاماً، يكمل فيها تصوير خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه، والصورة بأجزائها، واللحن الموسيقي بأنغامه، بحيث اذ اختلف الوضع، أو تغيرت النسبة أخل ذلك بوحدة الصنعة وأفسدها"(4)، وأريد بتلك الوحدة ألاّ تكون القصيدة أشبه بحبات الرمل بحيث يمكن نثرها، أو يمكن التقديم والتأخير واعادة تشكيلها كما فعل (العقاد) مع احدى قصائد شوقي(5). وهذا يعني انه دعا – في مجال بناء القصيدة العربية الحديثة – إلى رفض التفكك الذي يحيل القصيدة إلى مجموع مبدد لاتربطه وحدة معنوية صحيحة(6). وحرص (شكري) على أن تكون قصيدته بنية واحدة متماسكة، وعبر عن ذلك بقوله: "قيمة البيت في الصلة التي بين معناه وبين موضوع القصيدة، لأن البيت جزء مكمل، ولا يصح أن يكون البيت شاذاً خارجاً عن مكانه في القصيدة بعيداً عن موضوعها، وقد يكون الإحساس بطلاوة البيت وحسن معناه رهيناً بتفهم الصلة التي بينه وبين موضوع القصيدة... فينبغي أن ننظر إلى القصيدة من حيث هي شيء فرد، لا من حيث هي أبيات مستقلة"(1)، فـ(شكري) بدعوته هذه يرى ان البيت يكتسب جماله وشاعريته من وضعه في بناء القصيدة وجسمها الكلي حتى اذا اقتطعناه بدا مشوهاً ومبتوراً(2). ومن المبادئ الاخرى التي اهتمت بها جماعة الديوان: أ. الوحدة الموضوعية: ان نص (العقاد) السابق في كتابه المشترك مع (المازني) (الديوان)(2)، يكشف لنا عن دعوته للوحدة العضوية أو الفنية كما يسميها بعض النقاد(3). اما اهتمامه بالوحدة الموضوعية فضلاً عن الوحدة العضوية، فقد عبر عنه في كتابه (ابن الرومي حياته من شعره)، قائلاً: "بهذا الاسترسال خرج – ابن الرومي – عن سنّة النظامين الذين جعلوا البيت وحدة النظم وجعلوا القصيدة ابياتاً متفرقة يضمها سمط واحد، قَلّ أن يطرد فيه المعنى إلى عدة ابيات، وقلّ ان يتوإلى فيه النسق توالياً يستعصي على التقديم والتأخير والتبديل والتحوير، فخالف ابن الرومي هذه السنة وجعل القصيدة كلاّ واحداً لايتم إلا بتمام المعنى الذي أراده على النحو الذي نحاه. فقصائده (موضوعات) كاملة تقبل العناوين وتنحصر فيها الأغراض ولا تنتهي حتى ينتهي مؤداها وتفرغ جميع جوانبها واطرافها، ولو خسر في ذلك اللفظ والفصاحة"(4). وفي مثل هذا الفهم ذهب (المازني) إلى أهمية ان "تكون القصيدة عملاً فنياً تاماً قائماً على فكرة معينة ليس الشاعر فيها مسوقاً بباعث مستقل عن النفس"(1)، فالوحدة الموضوعية التي دعا اليها شعراء الديوان هي وحدة تدور حول موضوع واحد معين داخل القصيدة ، مما يفسح مجالاً لظهور (بصمة الذات).
ب. الاهتمام بالموضوعات البسيطة: اهتم (العقاد) بوصف الاشياء البسيطة في شعره، وبشعر من يصف تلك الاشياء مثل ابن الرومي(2). وقد اخرج (العقاد) ديوان (عابر سبيل) عام 1937، واصدره بمقدمة في (الموضوعات الشعرية) فصل فيها القول في هذا الاتجاه الذي ابتدأ الشعراء المجددون يلتفتون اليه منذ مطران. يقول في مقدمته : "ليست الرياض وحدها ولا البحار ولا الكواكب هي موضوعات الشعر الصالحة [...] كل ما نخلع عليه من احساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا ومخاوفنا هو شعر وموضوع للشعر لأنه حياة وموضوع للحياة. وعلى هذا الوجه يرى (عابر سبيل) شعراً في كل مكان اذا أراد"(3). فـ(العقاد) تناول في ديوانه هذا الامور البسيطة والعادية التي لم يكن ينظم فيها الشعراء من قبل(4). وبناء على ما يفعله الشاعر معها تظهر بصمته الذاتية الخاصة به.
ج. الشمولية من الافكار التي ناقشها (شكري) في مقدمته لديوانه الخامس (الخطرات)، فكرة الشمولية اذ يرى ان على الشاعر ان يكتب لكل النفوس في كل عصر، واينما تكون، وألاّ يقتصر على امة او قرية، وان يكتب لكل يوم وكل دهر(5).
وربما تكون هناك صلة بين هذا التوجه وارتباط مفهوم الشعر عند جميع الرومانسيين – ومطران معهم – بشموله للنفس الانسانية(6).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|