انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم الاجتماع
المرحلة 4
أستاذ المادة سلوان فوزي عبد بقلي العبيدي
25/09/2018 22:37:54
واذا ما أخذنا المجتمعات البشرية الراهنة من الوجهة العددية وبصرف النظر عن طبيعتها ومستوى تقدمها الصناعي و الإقتصادي , لوجدنا أن قلة قليلة منها تعتنق الأديان الوحدانية , بينما تشيع في أوساط أكثرها شعائر دينية ترتبط بتعدد الآلهة . ( ) ان الديانات القديمة الوضعية التي سادت قبلاً ولا تزال تسود في المجتمعات المتأخرة تختلف عن الديانات الكبرى السماوية المنزلة , فالدين في الجماعات المتأخرة غيره في الجماعات الراقية , فهو ليس بدين سماوي ولم ينزل به كتاب معين كالتوراة والإنجيل والقرآن , فهو ليس بدين للتوحيد , لأن ديانات التوحيد المنزلة لها مستواها الحضاري الراقي ولم تأت إلا في آخر مراحل التطور الديني كما يقول بذلك ادورد تايلور , فالعقلية المتأخرة لم تبلغ حد التجريد والتعميم العقلي , ولا تتصور إلهاً إلا يحده مكاناً ولا زماناً , وقد اتجه دوركهايم في تفسير الدين الى انه لا يقوم اصلاً عند الأقوام المتأخرة في فكرة الإله وقيام كائن أعظم له من القدرة والحوار , وما يفرض ارادته العليا المقدسة على متبعيه والمؤمنين به , ذلك لأن العقلية المتأخرة لم تبلغ درجة من الرقي يمكنهم بها ادراك اله مجرد عام , ويصعب عندهم أو عند هذه الأقوام وجود ديانة توحيدية , كذلك فإن فكرة الإله الواحد ليست الأساس الرئيسي لقيام الأديان لأن هناك أديان تقوم أحياناً على تعدد الآلهة , كما هو الحال عند اليونانيين القدامى والمصريين , وأحياناً هناك أديان لا نجد فيها فكرة الإله اطلاقاً , كما في الديانات القومية الإلحادية الوضعية كالبوذية و الكونفشيوسية , وانما يقوم الدين على فكرة المجتمع اي انه وسيلة لتوحيد أفراد المجتمع وجمعهم , ومصدراً لمعيشة الناس معيشة مشتركة , واحتياجهم في مجرى حياتهم الى أصول وقواعد ضابطة يأخذون بها ويطبقونها بإخلاص وبإحترام , اي في اساليب العرف الخاصة بالمعبودات مهما كانت أشكالها , أرواحاً كانت أم طوطماً أم أجداداً وآباء أو أبطالاً .( ) أما العوامل التي أدت الى تنوع الأديان والعقائد فهي كما يأتي : 1- العامل الجغرافي : تنبه الأقدمون لتأثير العامل الجغرافي في حياة المجتمع , فهذا هيرودوت الملقب بأب التأريخ يقول " ان مصر هبة من النيل " وهذا ابن خلدون يحدثنا عن تأثير المناخ في العامل الجغرافي في الديانة , ففي وصفه للأقاليم المختلفة جغرافياً , فيقول كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه بل والحيوانات وجميع ما يتكون في هذه الأقاليم التي تتميز بالإعتدال , فسكانها من البشر أعدل جسماً وألواناً وأخلاقاً و أدياناً , أما سكان الأقاليم البعيدة من الإعتدال فهم متوحشون تكاد امزجتهم وأخلاقهم أقرب الى الحيوانات , كذلك أحوالهم في الديانة أيضاً , فلا يعرفون نبوة ولا يدينون بشريعة إلا من قرب منهم من جوانب الإعتدال , كذلك نري (جيمس فريزر) يقول : " اننا على ثقة بأن الديانة قد تأثرت بالمحيط الطبيعي أكثر من أي نظام اجتماعي ." , وما علينا لإثبات ذلك إلا ان نلقي نظرة الى مختلف الأساطير الدينية لنرى ان أساطير الأمم التي تسكن السواحل مثلاً تخالف الأساطير التي تقيم بداخل البلاد , وأن الأساطير التي تعيش في الأقاليم الحارة تخالف الأساطير التي تعيش في الأصقاع الباردة , ويحدثنا صاحب كتب (جيفارو) عن قبيلة ليس في أساطيرها حكاية عن الطوفان , ولكن هناك حديث آخر عن قحط شديد أصاب البلاد على أثر انحباس الأمطار , ويقول كرابير : " اننا لا نستطيع ان نتفهم تماماً الأساطير الجرمانية ما لم نطلع على الأحوال الجغرافية من جبال وغابات وبحار وثلوج وزوابع ." , وعند موره ان الخرافات التي تدور حول المعارك بين (ست وأخيه أزريس) في الأساطير المصرية ليست إلا رمز العراك بين النيل والصحاري القاحلة , والتقاليد تدلنا على ان موت أزريس يكون وقت هبوط مياه النيل , حيث تهب رياح محرقة من الصحراء جارفة معها أوراق الشجر , وهناك أمم عبدت عناصر الطبيعة والسيارات حتى ان المؤرخ (دي لا بورت) لا يحجم عن الجزم بأن الأشوريين قد ألهوا جميع قوى الطبيعة وشتى قوى الخير وكل الأجرام السماوية , وقد تنبه (مونتسكيو) لهذا العامل فقال :" ان الديانة المؤسسة على المحيط الجغرافي لا تنتشر في بلاد تخالف في طبيعتها الجغرافية البلاد التي وجدت فيها هذه الديانة , ويخال ان المناخ هو الذي وضع الحد الفاصل بين الديانة المسيحية والديانة الإسلامية , وهذا ما ذهب اليه ايضاً الأستاذ محمد حسين هيكل بعد مونتسكيو , يتضح لنا من الأمثلة المذكورة آنفاً ان العامل الجغرافي أثراً بيناً في الحياة الدينية , غير انه اخذ يفقد من أهميته يوم استطاع الإنسان أن يملي إرادته على الطبيعة بعد ان كانت الغالبة القاهرة في فجر الإنسانية . ( )
2- العامل العمراني أو المورفولوجي : ويراد به عدد السكان وحجم المجتمع وكثافته وطرق المواصلات بين البلاد , واذا درسنا الديانات عامة رأينا ان كل تغيير يطرأ على هيئة المجتمع يصحبه تغيير في نظام الديانة , ومن ذلك ان الإستقرار في الأرض أدى الى فصل السلطة عن الدين , وعندما حلّ نظام الأبوة مكان الأمومة تضخم عدد الأساطير , واذا ما تكاثر الناس وتمّ الإنتقال من نظام العشيرة الى نظام القبيلة تأثرت الديانة المغلقة , وانتقلت من الطوطمية المتأخرة الى الطوطمية المرتقية , ومن ذلك ايضاً , أن اتحاد القبائل وسيطرة شعب منها على القبائل التي دونها قوة مهدتا الطريق الى الدول الكبرى , تشد أزرها الديانات , ثم ان اتساع شأن الدولة , وامتداد حجمها وسلطانها , وازدياد المواصلات بين الأقطار , أدت الى ارتقاء ديني كان من نتائجه التمسك بجوهر الدين واستعداد الأفكار لقبول ديانة الإنسانية , كذلك فإن الديانة تؤثر بدورها على النظام الإجتماعي , فالإسلام مثلاً , بردعه المؤمنين عن الوأد خشية إملاق , فقد زاد عدد الأفراد , وهم وان ظلوا متمسكين بالنعرات القبلية القديمة , غير ان الإسلام ازال هذه العقبات حتى ذللها , بالحزازات القديمة حتى تغلب عليها , وجعل العرب وحدة متماسكة , ونقلها من العشيرة الى السلطان , ولولاه لما تم الإنتقال بهذه السرعة , وكذلك الأمر في البلاد الدائنة بالنصرانية والمتمسكة بأهداب الدين , فهي على الغالب , لا تطبق قوانين مالثوس في تقليل المواليد , وأخيراً فإن للديانة أثراً بالغاً في زيادة حجم المجتمع وعدد سكانه في البلدان المقدسة . ( ) 3- العامل السياسي : ان الدين إلهياً كان أم غير إلهي , لم يشذ عن قواعد الشؤون الإنسانية , ولم يخرج على مقتضيات أنواع الحياة البشرية وحاجاتها المتباينة أو المتقاربة , فعلى سبيل المثال تغير الإتجاه الديني لعوامل سياسية في صدر الإسلام حينما تضاربت مصلحة المجتمع الدولة والأمة , ومصلحة الدين كانت مصلحة المجتمع هي الفاصل في النزاع , حيث أخذت السور القرآنية المدنية تتطور لتوافق حاجة الجماعة فصارت جهاداً وتشريعاً , بينما كانت السور المكية فكراً متسامياً الى الله وروحاً متجردة من الأصنام و الدنيويات , كذلك صارت تعاليم لوتير المصلح وسيلة لتحرر ألمانيا من ربقة روما , والكنيسة (الأنغليكانية) الإنكليزية التي أنشئت وأزيلت ثم أعيدت لتفي بغرض المجتمع الإنكليزي , فظلت في طقوسها كأنها كاثوليكية أو أرثوذكسية , ولكنها استقلت عن هذين المذهبين , ان الدين واحد , ولكن الأمم متعددة , وفي احتكاك الأمم بالأمم تتمسك كل واحدة بكل عقيدة أو بأية عقيدة , سواء كانت دينية أو غير دينية , لتحافظ على استقلالها الروحي , فلا تخضع لأمة أخرى بواسطة السلطة الروحية الدينية , ولذلك ظلت اسكتلندا كاثوليكية لكي تحتفظ بشخصيتها القومية , فلا تذوب في انكلترا , ان في المجتمعات الإنسانية نزعة الى اكتساب العقائد العامة صبغات وألواناً وأذواقاً من خصوصيات شخصياتها , وكل مجتمع يحب أن يرى نفسيته وشؤونه الخصوصية في معتقداته ومذاهبه , اي ان يطبع المذهب العام والمشترك بطابع شخصي , فالمجتمع الروسي مثلاً , قد أدخل في الأرثوذكسية الشيء الكثير من شخصيته وخصوصياته الإجتماعية , فالترانيم والأجواق الكنسية وتقبيل الأقارب ثلاثاً والأعياد ومظاهرها القومية , هذه الأشياء الثانوية بالنسبة الى الإعتقاد بالله والخلود والمسيح , لها الشأن الأول في نفسية المجتمع , وهي هذه الأشياء التي لها قيمة قومية في حياة المجتمع , اشياء تقليدية صُبغ المجتمع الدين بها فأصبحت تقاليد دينية قومية . ( )
4- العامل الإقتصادي : ان طريقة الإنتاج في الحياة المادية تعطي الهيئات الإجتماعية والسياسية والروحية طبائعها العامة , كما ان اسلوب المعاش يُملي على الناس منهاج حياتهم , كما ان الديانة والفلسفة لم تعرفا طريقهما الى الوجود إلا على يد العوامل الإقتصادية التي جعلت ظهورهما حيز الإمكان , وعند ماركس ان المسيحية ما كانت لتوجد لولا التطور الذي قلب صفحة العالم القديم , على أثر الفتوحات الرومانية , وان البروتستانتية ما كانت لتظهر لولا التطور الإقتصادي الذي مهد الطريق للرأسمالية , ويضرب نيتشه
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|