انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

من تطبيقات المساواة تأخذ المساواة أشكالاً مختلفة ومتعددة إذ أنها تتنوع وفقاً لمضمونها وغاياتها، وسوف ندرس بعض هذه الأشكال وفقاً لما يلي: 1- - المساواة أمام القضاء: تعني المساواة أمام القضاء ممارسة جميع مواطني الدولة لحق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة، وبلا تمييز أو تفرقة بينهم، بسبب الأصل، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو العقيدة، أو الآراء الشخصية( ).ويقتضي مضمون المساواة أمام القضاء أن يكون القضاء الذي يتقاضى أمامه الجميع واحداً، وألا تختلف المحاكم باختلاف الأشخاص الذين يتقاضون أمامها، وكذلك يقتضي المضمون نفسه أن تكون إجراءات التقاضي التي يسير عليها المتقاضون واحدة( ).ولا يتنافى مع جوهر المساواة أمام القضاء أن تعطى الحرية للقاضي لكي يحكم بالعقوبة الملائمة تبعاً لاختلاف ظروف كل قضية، أو تبعاً لاختلاف ظروف المتهمين ولو كانت الجريمة واحدة( ).وكذلك لا يتعارض مع مضمون مبدأ المساواة أمام القضاء وجود محاكم مختلفة باختلاف أنواع المنازعات أو باختلاف طبيعة الجرائم بشرط أن لا تقام تفرقة بين أشخاص المتقاضين. كما لا يخالف مبدأ المساواة أمام القضاء أن توجد محاكم خاصة بشرائح مهنية و معينة من المواطنين إذا دعت الضرورة لذلك، ولكن بشرط أن لا يكون وجود مثل هذا النوع من المحاكم سبباً في تمييز فئة من الأفراد على غيرها، وذلك كما هو الحال في نطاق محاكم الأحداث التي تختص بمحاكمة المجرمين الأحداث على ما اقترفوه من جرائم، وتطبق عليهم نظاماً عقابياً مختلفاً عن تلك التي تطبق على الراشدين، وكذلك تطبق عليهم إجراءات خاصة للتقاضي تختلف عن إجراءات التقاضي المتعارف عليها أمام المحاكم الأخرى، بقصد إصلاحهم وتقويم سلوكهم وإعادة تأهيلهم( ). وينتج عن مبدأ المساواة أمام القضاء ثلاث نتائج مهمة جداً: 1ً ـ وحدة القضاء ويقصد بوحدة القضاء أن يكون التقاضي بالنسبة لجميع المواطنين أمام القضاة نفسهم الذين هم من الدرجة نفسها، وبدون أي تفرقة أو تمييز بين الأفراد أو بين الطبقات الاجتماعية، وبالتالي فإن وحدة القضاء تفترض عدم وجود محاكم خاصة أو استثنائية لأفراد معينين بذواتهم أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة، وذلك كما كان عليه الحال في فرنسا قبل الثورة، حيث كانت توجد محاكم خاصة بطبقة النبلاء والأشراف وغيرها من الطبقات، وذلك تمييزاً لكل طبقة عن غيرها من طبقات الشعب( ). 2ً ـ المساواة أمام التشريعات والعقوبات المطبقة تتمثل النتيجة الثانية لمبدأ المساواة أمام القضاء في ضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة للقوانين التي تطبق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات، وتوقيع ذات العقوبات المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها.. وتتضمن هذه النتيجة فيما يتعلق بالعقوبات شقين اثنين: الشق الأول، ويتمثل في وحدة العقوبات الموقعة نتيجة لوحدة القانون المطبق، والشق الثاني نجده في مبدأ شخصية العقوبة، بحيث يرتب العقاب على من ارتكب جريمة بحق المجتمع. 3 ـ مجانية القضاء : فلكي تتحقق المساواة بين الجميع أمام القضاء، فإن اللجوء إليه يجب أن يكون مجانياً، ولكنَّ هذه المجانية مازالت حتى الآن مسألة نظرية، لأنه إذا كانت العدالة نفسها بالمجان فإن وسائل اللجوء إلى القضاء ليست كذلك بالتأكيد، فمن الناحية العلمية يتحكم الجانب الاقتصادي لكل فرد في قدرته على الالتجاء إلى القضاء للحصول على حقوقه المتنازع عليها، ولما يتطلبه ذلك من نفقاتٍ ورسومٍ وأتعاب محاماة قد تكون فوق طاقته المادية في كثير من الأحيان. ولهذا السبب نجد أن كثيراً من النظم القانونية في العالم قد نظمت وسائل تقديم المساعدات القضائية إلى المتقاضين المحتاجين لها، وبعضها يشجع تنظيم الجمعيات التي تقدم يد المساعدة إلى من يطلبها من غير القادرين( ). 2- - المساواة أمام المرافق العامة: المرفق العام Le Service Public هو نشاطٌ تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجةٍ من الحاجات التي تحقق الصالح العام، وبالتالي فإن مهمة المرفق العام تتمثل في تقديم خدمات للعامة بهدف تحقيق النفع العام( ).وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده، خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع، لذلك فمن الطبيعي أن يتساوى أمامه الجميع وبغير تمييزٍ أياً كان سببه( ). ويعدّ مبدأ المساواة أمام المرافق العامة من قبيل المبادئ العامة للقانون التي تطبق وإنْ لم يتضمنها نصّ قانوني معين( ).غير أنَّ مساواة الأفراد أمام المرافق العامة ليس مطلقاً، لأنه لا يعني جواز أن يطلب كل فرد الانتفاع من خدمات المرفق العام دون قيد أو شرط، إنما لا تصبح هذه المساواة حقاً للمنتفع إلا بتوافر شروطها، وذلك شأنها شأن جميع المراكز القانونية( ). ولعلَّ من أهم شروط الانتفاع بخدمات المرفق العام إنما يتمثل في دفع مبلغ معين من المال، وفي هذه الحال تثور مسألة جماعية المرافق العامة، حيث من المسلم أنه ليكون المرفق مرفقاً عاماً، لا يشترط أن تكون الخدمات التي يقدمها مجانية للجميع، بل يجوز فرض رسوم على كل منتفع لقاء انتفاعه بخدمات مرفق معين، ولكن يجب أن لا يكون الرسم مغالياً فيه بحيث يخرج المرفق عن عموميته، والغاية التي أحدث من أجلها، والمتمثلة في المصلحة العامة، ويلاحظ عموماً توجه المشرع المتزايد إلى توسيع نطاق مجانية المرافق العامة في وقتنا الحالي( ). 3 - المساواة في نطاق الوظيفة العامة: يأخذ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة عدة مظاهر، فقد يتجلى في نطاق الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، وفي نطاق الرواتب والأجور، والترقيات، والعلاوات: آ ـ الدخول إلى سلك الوظيفة العامة: لقد طرح مبدأ المساواة في التوظيف أول الأمر في فرنسا، ومؤداه عدم تفضيل طبقة أو فئة معينة على غيرها في شغل الوظائف العامة، بل يكون لكل مواطنٍ الحق المتساوي في التقدم لشغلها، وهذه المساواة هي مساواة قانونية، بمعنى أنه يلزم أن تتوافر فيمن يتقدم لشغل الوظيفة العامة كل ما يتطلبه القانون من شروط ومؤهلاتٍ علمية وخبرات عملية، وهذه الشروط يجب أن تكون عامة ومجردة بحيث تتيح للمواطنين جميعاً فرصاً متكافئة في التقدم لشغل الوظائف العامة( ). وفي الحقيقة إن هذا المفهوم القانوني للمساواة الذي تجسد في مبدأ المساواة في التوظيف كان يهدف إلى الوقوف عند حد تحطيم الاحتكارات الطبقية وإذابة الفوارق الاجتماعية في مجال شغل الوظائف العامة، والتي كانت تسود أوربا وقت تقرير هذا المبدأ، ويلاحظ أن مبدأ المساواة القانونية تحقيق كفاية الوظيفة العامة وبالتالي تطور الدولة إذ يتيح لها فرصة الإفادة من مختلف الكفايات الموجودة بها دون قيد طبقي أو اجتماعي( ). ومن الموضوعات المهمة في نطاق المساواة في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، ذلك المتعلق بمسألة المساواة بين الذكور والإناث في تولي الوظائف العامة، وتكتسب هذه المسألة أهميتها في أن المرأة عبر تاريخ الحضارة الإنسانية كانت وضعت في ظل ظروف دنيا، وذلك على أساس أن المرأة من الناحية الفكرية والجسدية هي في وضع أدنى من الرجل( ).وبالنسبة لموقف القضاء من هذه المسألة، فقد تباين موقف مجلس الدولة الفرنسي، حسب المرحلة التاريخية التي طرح فيها هذا المبدأ، ففي بادئ الأمر، احترم المجلس المذكور كل اتجاهات الإدارة الرامية إلى استبعاد النساء من الوظائف العامة، ثم اتخذ مواقف أكثر جرأة، حيث أعلن رفضه لجميع العوائق التي تقف أمام النساء في نطاق تولي الوظائف العام’، لكنه لم يسحب كل النتائج المترتبة على هذا الموقف، وفي سنة 1946، اتخذ المجلس نفسه موقفاً حاسماً حيث قرر حق النساء في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط الواقعية والقانونية نفسها التي تطبق على الذكور( ).وقد تكرست هذه القاعدة تشريعياً بدءاً من سنة 1946 كذلك، وتكررت في قوانين الوظيفة العامة الفرنسية المتعاقبة بعدها، وبالتالي فإن المبدأ المستقر عليه حالياً في فرنسا يتمثل في أن الطبيعة الأنثوية للمرأة يجب أن لا تقف حائلاً دون دخولها إلى سلك الوظيفة العامة( ). وقد تكرس هذا الوضع دستورياً أيضاً، حيث أقرت مقدمة دستور 1946 بأن القانون يضمن للمرأة ضمن كل المجالات، حقوقاً مساوية للحقوق التي يملكها الرجال. ولكنَّ القضاء الإداري الفرنسي وضع استثناء على مساواة النساء بالرجال في نطاق تولي الوظائف العامة، حيث يجوز خرق مبدأ المساواة المذكور إذا كانت شروط ممارسة وظيفة معينة تستلزم مثل هذا الخرق، «كأن تكون شاقة وتستلزم جهداً عضلياً كبيراً»( ). ب ـ المساواة في الراتب والعلاوة والترفيع: يعدّ الراتب والعلاوة والترفيع من أهم العناصر الرئيسية التي يقوم عليها كل نظام وظيفي، فهذه العوامل الثلاثة تعدّ عصب الحقوق الوظيفية، فالراتب يمثل المقابل المادي الذي يتقاضاه الموظف مقابل عمله الذي يؤديه، كما أن العلاوة تعدّ النتيجة الحتمية لبعض لبقاء الموظف في وظيفته مدة طويلة مما يترتب عليه ضرورة زيادة مرتبه زيادةً دورية كل سنة أو سنتين حسب الأحوال وحسب ما ينص عليه كل تشريع على حدة، وحتى يتناسب الراتب مع متطلبات الحياة المادية المستمرة ومع التغييرات السريعة للأسعار، كذلك فإن الترقية (الترفيع) هي النتيجة الحتمية لكفاءة الموظف والجزاء الضروري لاجتهاده ونشاطه في عمله الوظيفي( ). ولأجل أن يحق نظام الرواتب المساواة فلابد أن يكون عاماً بحيث يشمل كل الدرجات والوظائف دون استثناء وتفرد في المعاملة كما يجب أن يكون ـ أي نظام المرتبات ـ واضحاً غير مشمول بأي تعقيدات تعطل تنفيذه، كما يجب أن يحقق التوازن بين الدرجات في جميع المستويات، حيث يجب أن تكون الفروق في المرتبات بين المستويات الوظيفية المختلفة متناسبة مع الفروق في المواصفات الوظيفية والمهنية المتطلبة في كل من مستويات الوظائف، وهذا يعني أن المساواة لا تتحقق في هذه الحالة إلا إذا كان الأجر متساوياً في العمل الواحد. ومن جهة أخرى، لكي تكون علاوات الترفيع متفقة مع مبدأ المساواة فإنه يجب أن تكون ضوابط ومعايير منحها، أو الحرمان منها واحدة بالنسبة لجميع العاملين الذي يخضعون لنظامٍ قانونيٍّ واحد، وتتماثل أوضاعهم الوظيفية وظروف عملهم، أما إذا تقررت لبعض العاملين بنسبةٍ أعلى من النسبة التي تقررت لزملائهم المتماثلين معهم في الوظيفة أو الدرجة، فإن ذلك يعدّ مجافياً لمبدأ المساواة ومتعارضاً معه( ). أما بالنسبة للترقية (الترفيع)، فإنه يأخذ إحدى صورتين، فإما أن يكون من جهة على أساس الأقدمية المطلقة، وبالتالي فإن الترفيع الوظيفي يتم تلقائياً مع مرور فترة زمنية معينة على خدمة العامل، وإما أن يكون من جهة أخرى بطريق الاختيار، ومقتضى ذلك أن يكون أساس الترقية ليس الأقدمية، إنما اجتهاد العامل في نطاق أعباء وظيفته، بحيث يفضل في الترقية العامل الكفء وإن كان أحدث في أقدميته من العامل الأقدم غير الكفء( ). 4ً - المساواة في التكاليف والأعباء العامة: إن تعبير التكاليف العامة Charges Publiques يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع، وبالتالي فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنىً واحداً في هذا النطاق، وهي أي ـ هذه الأعباء ـ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها وهذه الموارد يجب أن توزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة، طالما أنها أن تدفع في سبيل مصلحتهم جميعاً، لذلك لا يجوز أن يتحملها البعض دون البعض الآخر من الأفراد( ).ويعدّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في فرنسا عام 1789 أول من أثبت هذا المبدأ بشكل رسمي، وذلك حين نص على ضرورة أن يشترك جميع المواطنين على قدم المساواة في الأعباء والتكاليف العامة( )،وفي الحقيقة، إن مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة يتجلى أكثر في النطاق الضريبي.و في الحقيقة إن مبدأ المساواة أمام الضريبة هو في حقيقته مستمدٌ من مبدأ المساواة أمام القانون، لذلك فإن المساواة أمام الضريبة هي المساواة أمام قانون الضريبة، والمساواة أمام الضريبة بهذا المعنى لا تعني وجوب أن يدفع جميع المكلفين الضريبة نفسها، بل يجب أن يتناسب ما يدفعه كلٌّ منهم وقدرته المالية، وبعبارة أخرى يجب أن تسعى الدولة إلى أن تكون الضرائب التي تفرضها في مجموعها متناسبة مع المقدرة التكليفية للمكلفين، لذلك فإن المساواة أمام الضريبة لا تفترض وجود نظام قانوني ضريبي واحد يطبق على جميع المكلفين، بل على العكس، إن المساواة أمام الضريبة في وقتنا الحالي تعني ضرورة تعود الأنظمة الضريبية التي تخضع لها المكلفون فلابد على سبيل المثال من تمييز أصحاب الدخول الكبيرة عن أصحاب الدخول الصغيرة، وخضوع كل منهما لنظام ضريبي مختلف( ). وعلى كل حال، فإنه يجب أن لا يغيب عن البال الدور المهم الذي تلعبه الضريبة في حياة الشعب الاجتماعية ودورها في إعادة لتوزيع الدخل، وفي تخفيف حدة التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، مما يعكس بشكلٍ أو بآخر أهمية الضريبة كأداة لتوزيع المساواة الاقتصادية بين الأفراد على مستوى الحياة الاجتماعية ككل( ). وقد نص الدستور العراقي لعام2005 على 1-(( لا تفرض الضرائب و الرسوم ولا تعدل و لا تجبى و لا يعف منها إلا بقانون 2- يعفى أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم من المعيشة وينظم ذلك بقانون )).

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة احمد عبد عباس مغير الجبوري       23/09/2018 14:54:36
من تطبيقات المساواة
تأخذ المساواة أشكالاً مختلفة ومتعددة إذ أنها تتنوع وفقاً لمضمونها وغاياتها، وسوف ندرس بعض هذه الأشكال وفقاً لما يلي:
1- - المساواة أمام القضاء:
تعني المساواة أمام القضاء ممارسة جميع مواطني الدولة لحق التقاضي على قدم المساواة أمام محاكم واحدة، وبلا تمييز أو تفرقة بينهم، بسبب الأصل، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو العقيدة، أو الآراء الشخصية( ).ويقتضي مضمون المساواة أمام القضاء أن يكون القضاء الذي يتقاضى أمامه الجميع واحداً، وألا تختلف المحاكم باختلاف الأشخاص الذين يتقاضون أمامها، وكذلك يقتضي المضمون نفسه أن تكون إجراءات التقاضي التي يسير عليها المتقاضون واحدة( ).ولا يتنافى مع جوهر المساواة أمام القضاء أن تعطى الحرية للقاضي لكي يحكم بالعقوبة الملائمة تبعاً لاختلاف ظروف كل قضية، أو تبعاً لاختلاف ظروف المتهمين ولو كانت الجريمة واحدة( ).وكذلك لا يتعارض مع مضمون مبدأ المساواة أمام القضاء وجود محاكم مختلفة باختلاف أنواع المنازعات أو باختلاف طبيعة الجرائم بشرط أن لا تقام تفرقة بين أشخاص المتقاضين. كما لا يخالف مبدأ المساواة أمام القضاء أن توجد محاكم خاصة بشرائح مهنية و معينة من المواطنين إذا دعت الضرورة لذلك، ولكن بشرط أن لا يكون وجود مثل هذا النوع من المحاكم سبباً في تمييز فئة من الأفراد على غيرها، وذلك كما هو الحال في نطاق محاكم الأحداث التي تختص بمحاكمة المجرمين الأحداث على ما اقترفوه من جرائم، وتطبق عليهم نظاماً عقابياً مختلفاً عن تلك التي تطبق على الراشدين، وكذلك تطبق عليهم إجراءات خاصة للتقاضي تختلف عن إجراءات التقاضي المتعارف عليها أمام المحاكم الأخرى، بقصد إصلاحهم وتقويم سلوكهم وإعادة تأهيلهم( ).
وينتج عن مبدأ المساواة أمام القضاء ثلاث نتائج مهمة جداً:
1ً ـ وحدة القضاء
ويقصد بوحدة القضاء أن يكون التقاضي بالنسبة لجميع المواطنين أمام القضاة نفسهم الذين هم من الدرجة نفسها، وبدون أي تفرقة أو تمييز بين الأفراد أو بين الطبقات الاجتماعية، وبالتالي فإن وحدة القضاء تفترض عدم وجود محاكم خاصة أو استثنائية لأفراد معينين بذواتهم أو لطوائف أو طبقات اجتماعية محددة، وذلك كما كان عليه الحال في فرنسا قبل الثورة، حيث كانت توجد محاكم خاصة بطبقة النبلاء والأشراف وغيرها من الطبقات، وذلك تمييزاً لكل طبقة عن غيرها من طبقات الشعب( ).
2ً ـ المساواة أمام التشريعات والعقوبات المطبقة
تتمثل النتيجة الثانية لمبدأ المساواة أمام القضاء في ضرورة تحقيق المساواة بين المتقاضين بالنسبة للقوانين التي تطبق عليهم فيما يثور بينهم من منازعات، وتوقيع ذات العقوبات المقررة للجرائم نفسها على جميع مرتكبيها..
وتتضمن هذه النتيجة فيما يتعلق بالعقوبات شقين اثنين: الشق الأول، ويتمثل في وحدة العقوبات الموقعة نتيجة لوحدة القانون المطبق، والشق الثاني نجده في مبدأ شخصية العقوبة، بحيث يرتب العقاب على من ارتكب جريمة بحق المجتمع.
3 ـ مجانية القضاء
: فلكي تتحقق المساواة بين الجميع أمام القضاء، فإن اللجوء إليه يجب أن يكون مجانياً، ولكنَّ هذه المجانية مازالت حتى الآن مسألة نظرية، لأنه إذا كانت العدالة نفسها بالمجان فإن وسائل اللجوء إلى القضاء ليست كذلك بالتأكيد، فمن الناحية العلمية يتحكم الجانب الاقتصادي لكل فرد في قدرته على الالتجاء إلى القضاء للحصول على حقوقه المتنازع عليها، ولما يتطلبه ذلك من نفقاتٍ ورسومٍ وأتعاب محاماة قد تكون فوق طاقته المادية في كثير من الأحيان. ولهذا السبب نجد أن كثيراً من النظم القانونية في العالم قد نظمت وسائل تقديم المساعدات القضائية إلى المتقاضين المحتاجين لها، وبعضها يشجع تنظيم الجمعيات التي تقدم يد المساعدة إلى من يطلبها من غير القادرين( ).
2- - المساواة أمام المرافق العامة:
المرفق العام Le Service Public هو نشاطٌ تمارسه جهة عامة في سبيل إشباع حاجةٍ من الحاجات التي تحقق الصالح العام، وبالتالي فإن مهمة المرفق العام تتمثل في تقديم خدمات للعامة بهدف تحقيق النفع العام( ).وطالما كان المرفق العام بطبيعة وجوده، خدمة للمجتمع ولمصلحة الجميع، لذلك فمن الطبيعي أن يتساوى أمامه الجميع وبغير تمييزٍ أياً كان سببه( ).
ويعدّ مبدأ المساواة أمام المرافق العامة من قبيل المبادئ العامة للقانون التي تطبق وإنْ لم يتضمنها نصّ قانوني معين( ).غير أنَّ مساواة الأفراد أمام المرافق العامة ليس مطلقاً، لأنه لا يعني جواز أن يطلب كل فرد الانتفاع من خدمات المرفق العام دون قيد أو شرط، إنما لا تصبح هذه المساواة حقاً للمنتفع إلا بتوافر شروطها، وذلك شأنها شأن جميع المراكز القانونية( ).
ولعلَّ من أهم شروط الانتفاع بخدمات المرفق العام إنما يتمثل في دفع مبلغ معين من المال، وفي هذه الحال تثور مسألة جماعية المرافق العامة، حيث من المسلم أنه ليكون المرفق مرفقاً عاماً، لا يشترط أن تكون الخدمات التي يقدمها مجانية للجميع، بل يجوز فرض رسوم على كل منتفع لقاء انتفاعه بخدمات مرفق معين، ولكن يجب أن لا يكون الرسم مغالياً فيه بحيث يخرج المرفق عن عموميته، والغاية التي أحدث من أجلها، والمتمثلة في المصلحة العامة، ويلاحظ عموماً توجه المشرع المتزايد إلى توسيع نطاق مجانية المرافق العامة في وقتنا الحالي( ).
3 - المساواة في نطاق الوظيفة العامة:
يأخذ مبدأ المساواة في الوظيفة العامة عدة مظاهر، فقد يتجلى في نطاق الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، وفي نطاق الرواتب والأجور، والترقيات، والعلاوات:
آ ـ الدخول إلى سلك الوظيفة العامة: لقد طرح مبدأ المساواة في التوظيف أول الأمر في فرنسا، ومؤداه عدم تفضيل طبقة أو فئة معينة على غيرها في شغل الوظائف العامة، بل يكون لكل مواطنٍ الحق المتساوي في التقدم لشغلها، وهذه المساواة هي مساواة قانونية، بمعنى أنه يلزم أن تتوافر فيمن يتقدم لشغل الوظيفة العامة كل ما يتطلبه القانون من شروط ومؤهلاتٍ علمية وخبرات عملية، وهذه الشروط يجب أن تكون عامة ومجردة بحيث تتيح للمواطنين جميعاً فرصاً متكافئة في التقدم لشغل الوظائف العامة( ).
وفي الحقيقة إن هذا المفهوم القانوني للمساواة الذي تجسد في مبدأ المساواة في التوظيف كان يهدف إلى الوقوف عند حد تحطيم الاحتكارات الطبقية وإذابة الفوارق الاجتماعية في مجال شغل الوظائف العامة، والتي كانت تسود أوربا وقت تقرير هذا المبدأ، ويلاحظ أن مبدأ المساواة القانونية تحقيق كفاية الوظيفة العامة وبالتالي تطور الدولة إذ يتيح لها فرصة الإفادة من مختلف الكفايات الموجودة بها دون قيد طبقي أو اجتماعي( ).
ومن الموضوعات المهمة في نطاق المساواة في الدخول إلى سلك الوظيفة العامة، ذلك المتعلق بمسألة المساواة بين الذكور والإناث في تولي الوظائف العامة، وتكتسب هذه المسألة أهميتها في أن المرأة عبر تاريخ الحضارة الإنسانية كانت وضعت في ظل ظروف دنيا، وذلك على أساس أن المرأة من الناحية الفكرية والجسدية هي في وضع أدنى من الرجل( ).وبالنسبة لموقف القضاء من هذه المسألة، فقد تباين موقف مجلس الدولة الفرنسي، حسب المرحلة التاريخية التي طرح فيها هذا المبدأ، ففي بادئ الأمر، احترم المجلس المذكور كل اتجاهات الإدارة الرامية إلى استبعاد النساء من الوظائف العامة، ثم اتخذ مواقف أكثر جرأة، حيث أعلن رفضه لجميع العوائق التي تقف أمام النساء في نطاق تولي الوظائف العام’، لكنه لم يسحب كل النتائج المترتبة على هذا الموقف، وفي سنة 1946، اتخذ المجلس نفسه موقفاً حاسماً حيث قرر حق النساء في تولي الوظائف العامة وفقاً للشروط الواقعية والقانونية نفسها التي تطبق على الذكور( ).وقد تكرست هذه القاعدة تشريعياً بدءاً من سنة 1946 كذلك، وتكررت في قوانين الوظيفة العامة الفرنسية المتعاقبة بعدها، وبالتالي فإن المبدأ المستقر عليه حالياً في فرنسا يتمثل في أن الطبيعة الأنثوية للمرأة يجب أن لا تقف حائلاً دون دخولها إلى سلك الوظيفة العامة( ).
وقد تكرس هذا الوضع دستورياً أيضاً، حيث أقرت مقدمة دستور 1946 بأن القانون يضمن للمرأة ضمن كل المجالات، حقوقاً مساوية للحقوق التي يملكها الرجال. ولكنَّ القضاء الإداري الفرنسي وضع استثناء على مساواة النساء بالرجال في نطاق تولي الوظائف العامة، حيث يجوز خرق مبدأ المساواة المذكور إذا كانت شروط ممارسة وظيفة معينة تستلزم مثل هذا الخرق، «كأن تكون شاقة وتستلزم جهداً عضلياً كبيراً»( ).
ب ـ المساواة في الراتب والعلاوة والترفيع:
يعدّ الراتب والعلاوة والترفيع من أهم العناصر الرئيسية التي يقوم عليها كل نظام وظيفي، فهذه العوامل الثلاثة تعدّ عصب الحقوق الوظيفية، فالراتب يمثل المقابل المادي الذي يتقاضاه الموظف مقابل عمله الذي يؤديه، كما أن العلاوة تعدّ النتيجة الحتمية لبعض لبقاء الموظف في وظيفته مدة طويلة مما يترتب عليه ضرورة زيادة مرتبه زيادةً دورية كل سنة أو سنتين حسب الأحوال وحسب ما ينص عليه كل تشريع على حدة، وحتى يتناسب الراتب مع متطلبات الحياة المادية المستمرة ومع التغييرات السريعة للأسعار، كذلك فإن الترقية (الترفيع) هي النتيجة الحتمية لكفاءة الموظف والجزاء الضروري لاجتهاده ونشاطه في عمله الوظيفي( ).
ولأجل أن يحق نظام الرواتب المساواة فلابد أن يكون عاماً بحيث يشمل كل الدرجات والوظائف دون استثناء وتفرد في المعاملة كما يجب أن يكون ـ أي نظام المرتبات ـ واضحاً غير مشمول بأي تعقيدات تعطل تنفيذه، كما يجب أن يحقق التوازن بين الدرجات في جميع المستويات، حيث يجب أن تكون الفروق في المرتبات بين المستويات الوظيفية المختلفة متناسبة مع الفروق في المواصفات الوظيفية والمهنية المتطلبة في كل من مستويات الوظائف، وهذا يعني أن المساواة لا تتحقق في هذه الحالة إلا إذا كان الأجر متساوياً في العمل الواحد. ومن جهة أخرى، لكي تكون علاوات الترفيع متفقة مع مبدأ المساواة فإنه يجب أن تكون ضوابط ومعايير منحها، أو الحرمان منها واحدة بالنسبة لجميع العاملين الذي يخضعون لنظامٍ قانونيٍّ واحد، وتتماثل أوضاعهم الوظيفية وظروف عملهم، أما إذا تقررت لبعض العاملين بنسبةٍ أعلى من النسبة التي تقررت لزملائهم المتماثلين معهم في الوظيفة أو الدرجة، فإن ذلك يعدّ مجافياً لمبدأ المساواة ومتعارضاً معه( ).
أما بالنسبة للترقية (الترفيع)، فإنه يأخذ إحدى صورتين، فإما أن يكون من جهة على أساس الأقدمية المطلقة، وبالتالي فإن الترفيع الوظيفي يتم تلقائياً مع مرور فترة زمنية معينة على خدمة العامل، وإما أن يكون من جهة أخرى بطريق الاختيار، ومقتضى ذلك أن يكون أساس الترقية ليس الأقدمية، إنما اجتهاد العامل في نطاق أعباء وظيفته، بحيث يفضل في الترقية العامل الكفء وإن كان أحدث في أقدميته من العامل الأقدم غير الكفء( ).
4ً - المساواة في التكاليف والأعباء العامة:
إن تعبير التكاليف العامة Charges Publiques يعني كل النفقات التي تدفع ضمن مصلحة كل أفراد المجتمع، وبالتالي فإن نفقات الدولة وأعباءها تأخذ معنىً واحداً في هذا النطاق، وهي أي ـ هذه الأعباء ـ تحتاج إلى موارد كافية لتغطيتها وهذه الموارد يجب أن توزع على كل أفراد المجتمع على قدم المساواة، طالما أنها أن تدفع في سبيل مصلحتهم جميعاً، لذلك لا يجوز أن يتحملها البعض دون البعض الآخر من الأفراد( ).ويعدّ إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في فرنسا عام 1789 أول من أثبت هذا المبدأ بشكل رسمي، وذلك حين نص على ضرورة أن يشترك جميع المواطنين على قدم المساواة في الأعباء والتكاليف العامة( )،وفي الحقيقة، إن مبدأ المساواة أمام التكاليف العامة يتجلى أكثر في النطاق الضريبي.و في الحقيقة إن مبدأ المساواة أمام الضريبة هو في حقيقته مستمدٌ من مبدأ المساواة أمام القانون، لذلك فإن المساواة أمام الضريبة هي المساواة أمام قانون الضريبة، والمساواة أمام الضريبة بهذا المعنى لا تعني وجوب أن يدفع جميع المكلفين الضريبة نفسها، بل يجب أن يتناسب ما يدفعه كلٌّ منهم وقدرته المالية، وبعبارة أخرى يجب أن تسعى الدولة إلى أن تكون الضرائب التي تفرضها في مجموعها متناسبة مع المقدرة التكليفية للمكلفين، لذلك فإن المساواة أمام الضريبة لا تفترض وجود نظام قانوني ضريبي واحد يطبق على جميع المكلفين، بل على العكس، إن المساواة أمام الضريبة في وقتنا الحالي تعني ضرورة تعود الأنظمة الضريبية التي تخضع لها المكلفون فلابد على سبيل المثال من تمييز أصحاب الدخول الكبيرة عن أصحاب الدخول الصغيرة، وخضوع كل منهما لنظام ضريبي مختلف( ).
وعلى كل حال، فإنه يجب أن لا يغيب عن البال الدور المهم الذي تلعبه الضريبة في حياة الشعب الاجتماعية ودورها في إعادة لتوزيع الدخل، وفي تخفيف حدة التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، مما يعكس بشكلٍ أو بآخر أهمية الضريبة كأداة لتوزيع المساواة الاقتصادية بين الأفراد على مستوى الحياة الاجتماعية ككل( ).
وقد نص الدستور العراقي لعام2005 على 1-(( لا تفرض الضرائب و الرسوم ولا تعدل و لا تجبى و لا يعف منها إلا بقانون 2- يعفى أصحاب الدخول المنخفضة من الضرائب بما يكفل عدم المساس بالحد الأدنى اللازم من المعيشة وينظم ذلك بقانون )).


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم