دوافع الشك عندد.طه حسين
1ـ الحياة الدينية: فرأى ان هذا الشعر الذي يضاف الى عند دراسة شعر الجاهليين يظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة او كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العملية، واما القرآن فيمثل لنا حياة دينية قوية تدعو اهلها الى ان يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال.
الحياة العقليةالشعر الجاهلي يمثل العرب الجاهليين بالجهل والغباوة والغلظة والخشونة بينما يمثلهم القرآن اصحاب علم وذكاء واصحاب عواطف رقيقة وعيش فيه لين ونعمة.
3ـ الحياة السياسية: ويقول ان حياتهم السياسية لا تتضح في شعرهم الجاهلي مع انهم كانوا على اتصال بمن حولهم من الأمم مما يوضحه القرآن الكريم في سورة الروم، اذ يعرض علينا العرب شيعتين، شيعة تنتصر للروم وشيعة تنتصر للفرس.
الحياة الاقتصادية: يقول: ان الشعر الجاهلي لا يتحدث عن حياتهم الاقتصادية بينما يمثِّل لنا القرآن الكريم العرب طائفتين: طائفة الاغنياء المستأثرين بالثروة، وطائفة الفقراء المعدمين. وكل ما في الشعر الجاهلي هو ان العرب اجواد كرام ولكن القرآن يلحّ في ذم البخل والبخلاء.
الحياة الاجتماعية: ان الشعر الجاهلي لا يعني الا بحياة الصحراء والبادية وهو لا يعني بها الا من نواح لا تمثلها تمثيلاً تاماً، فاذا عرض لحياة المدر فهو يمسها مساً رقيقاً ولا يتغلغل في اعماقها وما هكذا نعرف شعر الاسلام ويقول: انا لا نكاد نجد في الشعر الجاهلي ذكر البحر او الاشارة اليه.
لغة الشعر واللهجات: ولاحظ ان الشعر الجاهلي لا يصور اللغتين الشائعتين في الجزيرة: لغة الحميريين الجنوبية ولغة العدنانيين الشمالية، بل هو يضيف الى الجنوبيين اشعاراً بلغة الشماليين. ثم وقف عند لهجات الشماليين التي تمثلها قراءات القرآن الكريم ولاحظ ان الشعر الجاهلي لا يمثلها.
الرد على أدلة طه حسين :
قياس الشعر الجاهلي في ابراز الحياة الدينية للجاهليين على القرآن الكريم مردود، لان القرآن كتاب ديني يريد ان يجمع العرب على الاسلام، فطبيعي ان يعرض لدياناتهم ويناقشها بخلاف الشعر، ولكن مع ذلك فان في كتاب (الاصنام) لابن الكلبي ذخيرة كبيرة من الشعر تصور حياتهم الوثنية على خلاف ما يزعمه طه حسين.
ان جمهور العرب كانوا بدوا ولم يتحولوا الى طور فكري ينتظره طه حسين. وفي الحقيقة نرى حياتهم العقلية الفطرية في شعرهم.
شعر الصعاليك طافح بما يصور النضال بين الاغنياء والفقراء، وايضاً فان شعراءهم اذا كانوا قد اكثروا في مدحهم وفخرهم ذكر الكرم، فانهم اكثروا في هجائهم من ذكر البخل وشح النفس.
أن لغة القرآن الفصحى كانت سائدة في الجاهلية قبل الاسلام، وان الشعراء منذ فاتحة هذا العصر كانوا ينظمون بها وأنها كانت لغة قريش السائدة.
وعلى فرض انالشعر الذي وصلنا موضوع، فان الوضّاع كانوا يحاكون نماذج سابقة وتقاليد أدبية موروثة قلدوها وحاكوها، ونفس هذه المحاكاة تدل على وجود اصل يحاكونه.
أسباب الانتحال عند طه حسين :
وتحدث طه حسين عن أسباب الانتحال وارجعها الى ما يلي:
السياسة: ويريد بها العصبية القبلية مثل ما كان بين قريش والانصار من عداء وما كان بين القبائل من احقاد قديمة، ومع ذلك لم يستشهد بشعر جاهلي بل استشهد بشعر اسلامي قيل بعد الاسلام. وهذا ما اشار اليه ابن سلام كما قلنا سابقاً.
الدين: وتطرّق الى الشعر الذي قيل قبل البعثة تبشيراً بالنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم او ما جاء عند المفسرين من ذكر الأمم السابقة، وتشكك فيما اضيف الى شعراء اليهود والنصارى من اشعار وكذلك ما اضيف الى عدي بن زيد العبادي، وهذا ايضاً ما رفضه ابن سلام ولم يكن القدماء في غفلة عنها.
القصص: وتحدث عن القصص وما كانوا يضعون من الشعر لتزيين القصص والأخبار. وقد نبّه ابن سلام على ذلك عند ابن اسحاق واضرابه.
الشعوبية: وتحدث عن الخصومة بين العرب والموالي، وان هؤلاء الشعوبيين قد نحلوا اخباراً واشعاراً واضافوها الى الجاهليين والاسلاميين وكذلك فعل خصومهم، يقول في ذلك: (وكانت الشعوبية تنحل من الشعر ما فيه عيب للعرب وغض منهم وكان خصوم الشعوبية ينحلون من الشعر ما فيه ذود عن العرب ورفع لأقدارهم).
الرواة: وتحدث عن فساد مروءة بعض الرواة مثل حماد وخلف الأحمر وأبي عمرو الشيباني وانهم كانوا ينحلون الاشعار ويعبثون بالشعر، وتحدث ايضاً عن طائفة اخرى اتخذت الرواية مكسباً وهم الاعراب الذين كان يذهب اليهم رواة الأمصار يسألونهم عن الشعر والغريب. وقد قلنا سابقاً ان القدماء كانوا لهؤلاء الرواة بالمرصاد.
ثم تناول في القسم الثالث من كتابه الشك في شعر مجموعة من شعراء الجاهلية مثل امرئ القيس، وعلقمة الفحل، وعبيد بن الأبرص، وعمرو بن قميئة، والمهلهل، وعمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة، والمتلمس، والأعشى، ثم تحدث عن الشعر المضري.
وفي الحقيقة كان طه حسين يردد ما نص عليه العلماء السابقون من قضايا ويريد ان يتسع لها لنقض الشعر الجاهلي جميعه وهي انما تنقض جوانب منه، وينبغي ان نقف عندها ولا نذهب مذهب التعميم، لان الشعر الجاهلي مع أنه فيه موضوع كثير، غير ان ذلك لم يكن غائباً عن القدماء، فقد عرضوه على نقد داخلي وخارجي دقيق، فكان ينبغى ان لا يبالغ المحدثن من امثال مرجليوث وطه حسين في الشك فيه مبالغة تنتهي الى رفضه، انما شك حقاً فيما تشك فيه القدماء وترفضه، اما ما وثقوه ورواه اثباتهم من مثل أبي عمرو بن العلاء والمفضل الضبي، والأصمعي وأبي زيد، فحري ان نقبله ما داموا قد اجمعوا على صحته.
اثر طه حسين وكتابه (في الشعر الجاهلي) في الحركة النقدية المعاصرة :
وقد أثار كتاب طه حسين هذا الرأي العام الأدبي والديني، فانبرى للرد عليه ومناقشته وتفنيده مجموعة من الكتاب والأدباء، منهم الذي يغلب عليه الحماس والعاطفة، ومنهم الذي اتبع الاسلوب العلمي المتفرد في المناقشة. فنشر في الصحف والمجلات الكثير من المقالات والردود والفت كتب في ذلك منها:
نقد كتاب في الشعر الجاهلي: لمحمد فريد وجدي.
الشهاب الراصد: لمحمد لطفي جمعة.
نقض كتاب في الشعر الجاهلي: لمحمد خضر حسين.
محاضرات في بيان الأخطاء العلمية والتاريخية التي اشتمل عليه كتاب في الشعر الجاهلي: محمد الخضري.
النقد التحليلي لكتاب في الادب الجاهلي: محمد احمد الغمراوي.
فصول في كتاب (تحت راية القرآن): لمصطفى صادق الرافعي