اسم المفعول : هو الوصف المشتق من المصدر المبني للمجهول ليدل على الحدث والذات الذي وقع عليه الحدث(1). فهو يقترب من اسم الفاعل في جانبين:
الاول: الحدث والحدوث:
وهي دلالة وضعية عرفية تتحدث عن الحدث بصورة مطلقة ، قابل للتغيير من تأثير ذات المفعول، وهذا الحدث لا يلتزم بزمن محدد انما يخضعه السياق في ذلك - كما سيتبين -.
الثاني: العمل :
فاسم المفعول جاري على يفعل من فعله نحو: مضروب، والاصل فيه مفعل، وهو يعمل عمل الفعل فيقال: زيد مضروب غلامه، ومكرم جاره، ومستخرج متاعه، وامره على نحو من امر اسم الفعل في اعمال مثناه ومجموعه واشتراط الزمانين والاعتماد(2). قال ابن يعيش: " اسم المفعول في العمل كاسم الفاعل لانه مأخوذ من الفعل وهو جار عليه في حركاته وسكناته وعدد حروفه كما كان اسم الفاعل كذلك، فمفعول مثل يفعل كما ان فاعلاً مثل يفعل فالميم في مفعول بدل من حرف المضارعة في يفعل وخالفوا بين الزيادتين للفرق بين الاسم والفعل،والواو في مفعول كالمدة التي تنشأ للأشباع لا اعتداد بها فهي كالياء في الدراهيم ونحوه أتوا بها للفرق بين مفعول الثلاثي ومفعول الرباعي."(3).
وعليه فان اسم المفعول لا يختلف عمن اسم الا في الدلالة على الموصوف لانه في اسم الفاعل يدل على ذات الفاعل من نحو: قائم، وكاتب، وفي اسم المفعول يدل على ذات المفعول من نحو: منصور، ومكتوب، فكل منهما يدل على الحدث والحدوث(4).
يأتي اسم المفعول لجميع الازمنة فهو يأتي للدلالة على الماضي ، او الحاضر، او المستقبل، او الاستمرار والدوام ، وقد يأتي للدلالة على الثبوت في جميع الازمنة(1).
فمثال دلالته على الماضي قوله تعالى? كُلٌ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمَّى?(2)اي: الى وقت قد سماه الله تعالى(3).ومثال دلالته على الحال قوله تعالى? فَدَعَا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر?(4) اي: وقع الغلب علي حالاً(5).ومثال دلالته على الاستقبال قوله تعالـى?وَلا تُخَـــطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إنَّهُم مُّغْرَقُونَ?(6) فهو اخبار عما سيقع مستقبلاً(7). ومثال دلالته على الدوام قوله تعالى ?وَالنُّجُوْمُ مُسَخَّرَ تُ بِأمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَــتٍ لِّقَومٍ يَعْقِلُونَ?(8) اي: الدوام في تسخير النجوم واستمرارها(9).
وقد استشف اللغويون من خلال الاستقراء السليم للدلالة الزمنية للمفردات العربية وجود اسم المفعول بمعنى الثبات على غرار الصفة المشبهة من نحو: فلان مقرون الحاجبين ومفتول الساعدين(10). فجاء مفتول ومقرون وصفين على نية الثبات لا التجدد، والقضية في موضوع التجدد وخلافه لا تقوم على البنية نفسها (مفعول) انما على السياق القرآني وغير القرآني الذي ينظوي تحته ، وهو ما يطلق عليه في الدراسات الحديثة بـ (علم الدلالة) الذي يحاول دراسة المعنى او صياغة نظرية للمعنى عبر محاولة الاقتراب من الشروط الواجب توافرها في الرمز حتى يكون قادراً على حمل المعنى(11).
صياغته من الفعل الثلاثي المجرد:
يصاغ اسم المفعول من الفعل الثلاثي المجرد على زنة (مفعول) سواء كان الفعل متعدياً من نحو: قُتِل فهو مقتول، او لازماً شريطة تعديته بالظرف او الجار والمجرور او المصدر من نحو: ذهب اليه فهو مذهوب اليه، ووقف امامه فهو موقوف امامه(1). ومما يأتي تفصيل لأنواع الفعل المراد صياغته على مفعول مع معرفة التغيرات الحاصلة في كل نوع:
اولاً : الفعل الصحيح السالم :
يصاغ بنائه من دون ان يحدث فيه تغيير من نحو: كُتِب فهو مكتوب. قال تعالى? الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبَاً عِنْدَهُم فِي التَّوْرَ ة وَالإنْجِيلِ?(2) .
ثانياً : المهموز:
يصاغ بناؤه من دون ان يحدث فيه تغيير ايضاً ، فمثال ما كانت الهمزة فاءه نحو: اكل فهو مأكول ، قال تعالى?فجعَلهم كَعَصْفٍ مَّأكُول?(3) ومثال ما كانت الهمزة عينه نحو: سُئِل فهو مسؤول. قال تعالى?وَأوْفُواْ بِالعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدِ كَانَ مَسْئُولاً?(4) ومثال ما كانت الهمزة لام الكلمة نحو: قُرِئ فهو مقروء من قولهم: الكتاب مقروء من عنوانه(5).
ثالثاً: المضعف:
يصـاغ بناؤه على مفعول بعد فك ذلك الادغـام من نحو:رد فهو مردود قـال تعالـى?وَإِنَّهُم ءَاتِيهِم عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ?(6) ،ومثله عد فهو معدود،قال تعالى? وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لأجَلٍ مَّعْدُودٍ?(7).
رابعاً: المعتل :
1. المثال: يصاغ بناؤه من دون ان يحدث فيه تغيير شأن الفعل الصحيح السالم والمهموز نحو: وأد فهو مؤود، قال تعالى? وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَت?(1)،ومن ذلك:وزن فهو موزون،قال تعالى?وَأنبْتَنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَئٍء مَّوْزُونٍ?(2)
2. الاجوف : يصاغ بناؤه على (مفعول) محدثاً تغييراً ملحوظاً، فمن ذلك: قال فهو مقوول، وباع فهو مبيوع، اذ يلتقي حرفا علة (عين الفعل) و (واو مفعول) ثم تنتقل حركة عين الفعل الى الصحيح الساكن قبلها فيلتقي ساكنان (مقوْوْل) ، (ومبيْوْع) فيحذف احد الساكنين، وهو مدار خلاف عند اهل اللغة. قال ابن جني: " انما وجب إسكانُ عينِ الفعل مِنْ (مَبْيُوْعٍ ومقوُوْل) عندهم جميعاً، لانَّ (قِيْلَ وبِيْعَ) عندهُمْ معتلان فأرادوا اعلال اسمِ المفعول منهما، ولانَّ الضمَّة مستثقلةٌ في الياء والواو، كما ذكر ابو عثمانَ قَبْلَ، ثم حَدَثَ من التَّغيير ما ذكره ابو عثمان عن الخليل،وسيبويه، والاخفش، ولكلِّ واحد من الاعتلال لصحَّة مذهبه"(3).
فمذهب الخليل وسيبويه ان المحذوف واو مفعول؛ لانها زائدة لا يختل الاسم بحذفها، والعين باقية، فيقال في: قال: مقول بوزن (مفعل) ، وفي: باع: مبيع بوزن (مفعل). فذكر ان الخليل قـال: " اذا قلت : مبيوع فألقيت حركة الياء على الباء سكنت الياء التي هي عين الفعل، وبعدها واو مفعول فأجتمع ساكنان، فحذفت واو مفعول، وكانت اولى بالحذف لانها زائدة، وكان حذفها اولى ولم تحذف الياء لانها عين الفعل، وكذلك (مقول) الواو الباقية عين الفعل والواو المحذوفة واو مفعول"(4).
وقد ايد الرضي هذا المذهب قائلاً: " فسيبويه يحذف الثانية دون الاولى وان كان القياس حذف الاولى اذا اجتمع ساكنان والاولى مدة، وانما حكم بذلك لانه راى الياء في اسم المفعول اليائي ثابتاً بعد الاعلال نحو: مبيع، فحدس ان الواو هي الساقطة عنه، ثم طرد هذا الحكم في الاجوف الواوي وانما خولف عنده باب التقاء الساكنين ههنا بحذف الثاني لان الكلمة تصير به اخف منها بحذف الاول وايضاً يحصل الفرق بين المفعولين الواوي واليائي ولو حذف الاول لألتبسا."(1).
اما الاخفش فقد راى ان المحذوف عين الكلمة فوزن مقول عنده: مفول ، وزن مبيع: مفيل، وذلك ان اصل مبيع : مبيوع – كما تقدم – حيث تقلب الضمة من الياء الى ما قبلها، فسكنت الياء وقبلها مضموم، فأبدلت الضمة كسرة لتصبح ياء، كما فعل في (بيض) اصله (بيض) كحمر، ثم حذفت الياء لسكونها وسكون واو مفعول على قياس الحذف لألتقاء الساكنين وذلك بعد ان لزمت فاء الكلمة الكسرة المبدلة من ضمة الياء المحذوفة، فوليها واو مفعول ساكنة فقلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها على حد ميزان وميعاد فصارت مبيعاً ومقولاً ثبتت الواو فيه لأنضمام ما قبلها.(2).
وقد أيد ابن جني قول الاخفش بحجج عقلية فقال: " وقوله في هذا يكاد يرجح عندي على مذهب الخليل وسيبويه، وذلك ان له ان يقول: ان واو (مفعول) جاءت لمعنى وهو المد، والعين لم تأت لمعنى، فحذف العين التي لم تأت لمعنى وتبقيه على ما جاء لمعنى وهو الواو الزائدة اولى كما تقول( مررت بقاضٍ) فتحذف الياء؛ لانها لم تأت لمعنى، وتبقي التنوين الذي جاء لمعنى الصرف، وشيء آخر يدل على صحة مذهب ابي الحسن وهو ان هذه العين قد اعتلت في قال وباع وقيل وبيع وفي الاصل مبيع ومقول، فكما اعتلت بالأسكان والقلب كذلك اعتلت ايضاً بالحذف، وواو مفعول لم تنقلب من شيء ولم تعتل في الفعل فكأن تركها وحذف المعتل اوجب... فلهذه العلل المتكافئة قال ابو عثمان: وكلا الوجهين حسن جميل ولقوة قول ابي الحسن قال: وقول الاخفش اقيس"(3).
- وتجدر الاشارة – ان بني تميم كانوا يتمون مفعولاً من الياء فيقولون : مبيوع ومعيوب ولا يتمون من الواوات(4). وعلل المازني ذلك بالقول فقال: " وإنَّما اتمُّوا في الياء؛ لانَّ الياء وفيها الضّمَّة اخفُّ من الواو وفيها الضمة، الا ترى انَّ الواو اذا انضمَّت فرُّوا منها الى الهمزة فقالوا: أَدْؤُرٌ، وأَثْؤُبٌ، وأَنْؤُرٌ… فالهمزة في الواو اذا انضمَّت مُطَّرِدٌ، فامَّا اذا كانت كذلك وبعدها واو كان ذلك اثقل لها، فلذلك الزموها الحذف في(مفعول) والياءُ اذا انضمتْ لم تهمز ولم تُغيَّر، فهذا يدلُّك ويُبَصِّرُك انَّ الياء اخفُّ."(1).
واضاف ابن جني علة اخرى فقال: " وانما جاز التصحيح في اسم المفعول لانه وان كان جارياً على الفعل فانه ليس على وزن المضارع، الا ترى ان قائماً لما كان على وزن المضارع في الاصل بالحركة والسكون والمدة لم يكن الا معتلاً، وقد تجد انه لا يتم مفعول من ذوات الواو، وهذا هو الاشهر، وقد حكى غيره انهم يقولون: ثوب مصوون والاكثر مصون"(2).
3. الناقص:
ويصاغ بناؤه على وزن مفعول بعد احداث تغيرات في آخر المشتق وكما يلي:-
أ. الناقص الواوي: من نحو: دعو فهو مدعو الذي اصله: مدعوو: فالواو الاولى ساكنة، فادغم احد الواوين في الاخر فصارا حرفاً واحداً مشدداً ليقال: مدعوٌّ بوزن مفعول، ومثله رجو فهو مرجوٌّ الذي اصله مرجوو بوزن مفعول (3) قال تعالى? قالواْ يَـصَـلِحُ قَد كُنْتَ فِيْنَا مَرْجُوَّاً قَبْلَ هذا ?(4) .
ب. الناقص اليائي: من نحو: رمى نحو مرمي الذي اصله: مَرْمَوِيٌّ، اجتمعت الواو والياء وسبقت اولاهما بالسكون، فقلبت واو مفعول ياء وادغمت في الياء الثانية كسرت عين الكلمة للتماثل(6). وكذلك: مغشي الذي اصله مغشوي، فاجتمعت الواو والياء في كل منهما والسابق منهما ساكن، فقلبت الواو ياء وادغمت في الاخرى، ثم قلبت الضمة كسرة لتجانس الياء(7). قال تعالى?يَنْظرونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوتِ?(8).
3. اللفيف:
يصاغ بناؤه على وزن مفعول محدثاً تغيراً في آخر الفعل نحو: وفى فهو موفوي، اذ اجتمعت الواو والياء وسبقت احداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء فصارت (موفيّ) ومثله طوى فهو مطووي فحدث ما حدث لتصبح (مطويّ) (1). قال تعالى?وَالْسَمَـوَ تُ مَطْوِيَّتٌ بِيَمِينِهِ?(2)
دلالة مفعول على غيره:
اولاً: دلالته على المصدر:
ذهب معظم اللغويين الى مجيء المصدر على زنة مفعول من نحو: جلد جلداً فهو مجلود، ويسر يسراً فهو ميسور، وعسر عسراً فهو معسور(3). لكن سيبويه لم يرض ذلك قائلاً: " اما قوله:دعه الى مَيْسُورِه ودَعْ مَعْسُوره، فانما يجيء هذا على مفعول كأنه قال: دعهُ الى امر يُوسَرُ فيه او يُعْسَرُ فيه، وكذلك المرفُوع والمُوضُوع كأنه يقول: له ما يرفعه وله ما يَضعهُ، وكذلك المعقول كأنَّه قال: عُقل له شيء اي: حبس له لُبُّه وشُدّد، ويُستغنى بهذا عن المفْعَل الذي يكون مصدرا؛ لانّ في هذا دليلاً عليه"(4). وقال ايضاً: " مَفْعُلة تجري مجرى يَفعل، وذلك المعونة والمَشُورة والمَثُوبة، يدلُّك على انها ليست بمفعولة أنَّ المصدر لا يكون مَفْعُولة"(5).
وقد وضح الرضي هذا المفهوم بالقول: " ان سيبويه خالف غيره في مجيء المصدر على وزن المفعول، وجعل الميسور والمعسور صفة للزمان أي الزمان الذي يوسر فيه ويعسر فيه على حذف الجار."(6). قال ابن السيده: " وكلام سيبويه يدل على انها غير مصادر وانها مفعولات"(7) . في حين اثبت الاخفش دلالته على المصدر وحمل سيبويه رايه على التخيل(1). فقال: " المصادر التي على مثال مفعول ليست على الفعل الملفوظ به لان فَعَل وفُعِل وفَعُل انما مصادرها المطردة بالزيادة مَفعل كالمضرب، وما زاد على هذا فعلى لفظ المُفَعَّل كالمُسَرَّح... وانما يجيء المفعول في المصدر على توهم الفعل الثلاثي وان لم يلفظ به كالمجلود من تجلد، ولذلك يخيل سيبويه المفعول في المصدر اذا وجده فعلاً ثلاثياً على غير لفظه الا تراه قال في المعقول كأنه حُبِس له عقله، ونظيره المعسور وله نظائر."(2).
وعليه فإن مجيء المصدر بزنة (مفعول) من الفعل الثلاثي امر مستقر عند اللغوييين الا سيبويه انكره(3).ولا يعني ان سيبويه قد انكر ما جاء من السماع حيث ذكر مجيء المصدر على المفعول فقال: " وقد يجيء المصدر على المَفْعُول، وذلك قولك: لَبَنٌ حَلَبٌ، انما تريد مَحْلُوبٌ، وكقولهم: الخَلْقُ إنَّما يريدون المَخْلوق، ويقولون للدرهم: ضَرْبُ الامير، وانَّما يريدون مَضْرَوبُ الامير."(4). فهو عنده وارد عند السماع على قلة، مما حدا بابن مالك ان يتبع سيبويه بذلك(5) .لكن الفراء راى ذلك على كثرة منه فقال: " والعرب تقول للكذب مكذوب وللضعف مضعوف، وليس له عقد راي فيجعلون المصدر في كثير من الكلام مفعولاً."(6) واليه اشار ابن الحاجب من ان مجيء المصدر على مفعول اكثر من مجيئه على وزن فاعل(7).
ثانياً: دلالته على فاعل:
-تحدثنا سابقاً – عن دلالة اسم الفاعل على مفعول، ووضحنا موقف اللغويين والمفسرين في بيان ذلك على الرغم من دلالة النقيض بين الاسمين. ونحن الان نوضح التيار الضد المتمثل في دلالة المفعول على فاعل من لدن افكار اللغويين والمفسرين انفسهم مع بيان حججهم ضمن النص القرآني المأثور في قوله تعالى?حَجَاباً مَّسْتُورَاً ?(1) وقوله? إِن تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلاً مَّسْحُوراً? (2) وقوله ?إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيَّاً? (3) وتمخضت آرائهم بالآتي:
1. انه مفعول بمعنى فاعل: وهو مذهب الاخفش الذي يرىان الفاعل قد يكون في لفظ المفعول كما تقول: انك مشؤم علينا وميمون، وانما شَاتِم ويَامِن والحجاب الموصوف بالمستورهاهنا هو الساتر (4). وتبعه بهذا الراي عدد من اللغويين(5).
2. انه مفعول حقيقة: ذهب الراغب الاصفهاني الى ذلك بقوله: " وقوله تعالى: (مأتيا) مفعول من اتيته. قال بعظهم معناه آتيا فجعل المفعول فاعلاً، وليس كذلك بل يقال: اتيت الامر واتاني الامر"(6). واليه اشار الزمخشري بالقول: " والوجه ان الوعد هو الجنة وهم يأتونها، او هو من قولك: اتى اليه احساناً اي كان وعده فعولاً منجزاً "(7). فأظهاره مفعولاً من دون تأويل(8).كما لو قالوا في ما يأتي كذلك في (حجاباً مستوراً) اي: حجاباً مستوراً من اعين الكفار فلا يبصرون وعدوا هذه الدلالة في الاظهر والاصح والاصوب(9). قال الزمخشري: " مستوراً: ذا ستر كقولهم: سيل مفعم ذو افعام وقيل هو حجاب لا يرى فهو مستور، ويجوز ان يراد انه حجاب من دونه حجاب او حجب فهو مستور بغيره، او حجاب يستر ان يبصر فكيف يبصر المحتجب به"(10).
وكذلك قالوا في (مسحوراً) قال ابن القيم: "واجابت طائفة منهم ان جرير وغيره بان مسحورا هنا هو معلم السحر الذي قد علمه اياه غيره، فالمسحور عنده بمعنى ساحر، اي عالم بالسحر، وهذا جيد ان ساعدت عليه اللغة وهو ان من علم السحر يقال له مسحور، ولا يكاد هذا يعرف في الاستعمال ولا في اللغة ، وانما المسحور من سحر غيره كالمطبوب والمضروب والمفتول وبابه، واما من علم السحر فأنه يقال له ساحر بمعنى انه عالم بالسحر وان لم يسحر غيره ... ان المسحور على بابه وهو من سحر حتى حين فقالوا مسحور مثل مجنون زائل العقل لا يعقل"(1).
3.انه مجاز: وهو راي البلاغيين الذين عدوه ضرباً من المجاز العقلي(2).
هذه مجمل الاراء عن دلالة اسم المفعول على غيره التي توضح مدى قابلية امتداد هذه الصيغة الى غيرها مع الحفاظ على دلالة الباب، فقد اضاف الصرفيون اوزان عديدة دالة على اسم المفعول من امثال: فعيل بمعنى مفعول نحو: قتيل بمعنى مقتول(3). وذكر ابن خالويه فعل بمعنى مفعول نحو: غلام جدع بمعنى مجدوع، كما استعملوا (فعل) لذلك نحو: رجل جد فهو مجدود(4). كذلك اضافوا (فعل) يقال: حملت الشاة حملاً، والمحمول حمل كما يقال: نقضت الشيء نقضاً، والمنقوض نقض، وحسبك الشيء حسبا والمحسوب حسب(5).