انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 1
أستاذ المادة سحر كاظم حمزة المنصوري
12/03/2019 13:10:32
النثر الجاهلي / المحاضرة السابعة الأمثال:
إذا كان القصص الذي أضيف إلى الجاهليين لا يحمل لنا صورة دقيقة للنثر الجاهلي بحكم تأخره في التدوين؛ فإن الأمثال تحمل لنا غير قليل من هذه الصورة؛ إذ إن من شأنها أن لا تغير، وأن تظل طويلًا بصورتها الأصلية، بحكم إيجازها وكثرة دورانها على الألسنة. وقد سارع العرب إلى تدوينها منذ أواسط القرن الأول للهجرة؛ إذ ألف فيها صُحار العَبدي أحد النسابين في أيام معاوية بن أبي سفيان "41-60هـ" كتابًا كما ألف فيها عبيد بن شَرِيَّة معاصره كتابًا آخر، ويقول صاحب الفهرست: إنه رآه في نحو خمسين ورقة . وإذا انتقلنا إلى القرن الثاني وجدنا التأليف في الأمثال يكثر؛ إذ أخذ علماء الكوفة والبصرة جميعًا يهتمون بها ويؤلفون فيها، وقد وصلنا عن هذا القرن كتاب أمثال العرب للمفضل الضبي. ونمضي إلى القرن الثالث، فيؤلف أبو عبيد القاسم بن سلام فيها كتابًا يشرحه من بعده أبو عبيد البكري باسم "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام" وما تزال المؤلفات في الأمثال تتوالى، حتى يؤلف أبو هلال العسكري كتاب "جمهرة الأمثال" ويخلفه الميداني، فيؤلف كتابه "مجمع الأمثال" وهو يقول في مقدمته إنه رجع فيه إلى ما يربو على خمسين كتابًا. ومن يرجع إلى هذه الكتب يجدهم يسوقون الكلمة السائرة التي تسمى مثلًا، ولا يكتفون بذلك؛ بل يقفون غالبا لسرد القصة أو الأسطورة التي تمخض عنها المثل، وقد تتمخض عن أمثال أخرى تروي في تضاعيفها. وموقفنا من هذه الأقاصيص والأساطير لا يختلف عن موقفنا من القصص الجاهلي بعامة؛ فنحن لا نتخذ منها صورة للنثر الجاهلي وإن اختلجت بروحه وطبيعته وحيويته، لنفس السبب الذي ذكرناه، وهو تأخر تدوينها، أما الأمثال نفسها فمن المحقق أن طائفة كبيرة مما روته الكتب السالفة يتحتم أن يكون جاهليًّا، وخاصة أكثر ما رواه عبيد بن شَرِيَّة، ولو أن كتابه لم يسقط من يد الزمن ووصلنا لاطمأننا إلى ما يرويه من هذه الأمثال؛ غير أنه فُقد. ولم يحاول من جاءوا بعده أن يفردوا الأمثال الجاهلية من الإسلامية؛ إذ دَرَج أكثرهم على ترتيب الأمثال حسب الحروف الأولى على نحو ما ترتب المعاجم ألفاظها، فهم يرتبونها أو يؤلفونها في تسعة وعشرين بابًا بعدد أبواب الحروف الهجائية.وبذلك أصبح من الصعب تمييز جاهليها من إسلاميها في كثير من الأحيان، ومع ذلك قد يورد أصحاب هذه الكتب مع ما يرونه من الأمثال إشارات تدل على جاهليتها وقدمها. وهي تتخذ عندهم طريقين: الطريق الأول: أن يسوقوا مع المثل قصة جاهلية تفسره، أو أن يساق هو في أثناء قصة جاهلية، كتلك الأمثال التي نقرؤها في قصة الزباء من مثل: "لا يطاع لقصير أمر" و "لأمر ما جدع قصير أنفه" و "بيدي لا بيد عمرو". وقد بلغت أمثال هذه القصة عند الميداني ثمانية عشر مثلًا. ومن هذا الطريق ما يتصل بأحداث أو أساطير جاهلية كالذي زعموا أن النعمان بن امرئ القيس اللخمي ابتنى قصرًا له يسمى الخَورنق، بناه له رومي يُسمى سِنمَّار؛ فلما أتمه قال له سنمار: إني أعرف موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله، فقال له النعمان: أيعرفها أحد غيرك؟ فقال: لا، فقال: لا جرم لأدَعَنَّها وما يعرفها أحد، ثم أمر به فرمي من أعلى القصر إلى أسفله فتقطع؛ فضرب به الجاهليون المثل فقالوا: جزاء سنمار وأما الطريق الثاني: فهو أن ينسبوا المثل إلى جاهليين؛ فحينئذ يتعين زمنه وتاريخه، وهناك كثيرون اشتهروا فيهم بالحكم والأمثال السائرة، ومنهم من يغرق في القدم مثل لقمان عاد؛ تلك القبيلة اليمنية التي كانت تنزل في الأحقاف، والتي بادت ولم تبق منها باقية في الجاهلية، وقد ظل اسم لقمان يدور على ألسنة شعرائهم وظلوا يذكرونه بالحكمة والبيان والحلم. يقول الجاحظ: "من القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء لقمان عاد" وينص على أنه غير لقمان الحكيم المذكور في القرآن الكريم كما ينص على ذلك المفسرون. ولقدم لقمان حفت الأسطورة به وبحياته وكل ما يتصل بصلاته مع الناس والنساء؛ فقال الأخباريون إنه كان عملاقًا كبير الرأس قويًّا قوة خارقة حكيمًا حكمة بالغة. وقالوا: إنه عاش عُمْرَ سبعة نسور وأن كل نسر منها عاش ثمانيين سنة وكان لُبَد آخرها، وبه ضربوا المثل في طول العمر فقالوا "طال الأبد على لبد ". ونسبت إلى لقمان في عصور متأخرة طائفة من الأقاصيص أريد بها إلى العظة والاعتبار، سميت أمثال لقمان، وهي مكتوبة بأسلوب ركيك ضعيف وقد زعم هلر Heller كاتب مادة لقمان في دائرة المعارف الإسلامية أن شخصية لقمان مرت بثلاث مراحل:"أ" مرحلة جاهلية وفيها يتراءى لقمان عاد الأسطوري الذي يقال إنه عاش عمر سبعة نسور، وكلما هلك منها نسر خلفه نسر آخر، حتى كان لُبَد الذي ذكره شعراؤهم كثيرًا. "ب" مرحلة قرآنية: وفيها نجد للقمان سورة خاصة به في الذكر الحكيم وقد ربط بعض المفسرين بين لقمان هذا وبين بلعام حكيم بني إسرائيل فسردوا له نفس نسبه؛ إذ قالوا إنه لقمان بن باعور بن ناحور بن تارخ. "ج" مرحلة متأخرة: وهي مرحلة نسج فيها ولفق قصص كثير حول لقمان كما يصور ذلك كتاب "أمثال لقمان".ومن المحقق أن "هلر" مخطئ فيما ذهب إليه من هذا التطور لشخصية لقمان، لسبب بسيط، وهو ما قلناه من أن قدماءنا فرّقوا بين لقمان عاد ولقمان القرآن الكريم؛ فهما ليسا شخصًا واحدًا بل هما شخصان، وبينما تعني بالأول كتب الأمثال نجد الثاني تعني به وبوصاياه كتب الفقه والتفسير مثل موطأ مالك وتفسير أبي حيان، وقد روى الجاحظ طرفًا من تعاليمه، وهي تطبع بطابع ديني. واشتهر في الجاهلية بينهم كثيرون بهذا اللون من الأمثال وما يتصل بها من حكم، يقول الجاحظ: "ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيفي، وربيعة بن حذار، وهرم بن قطبة، وعامر بن الظرب، ولبيد بن ربيعة4" وأحكمهم أكثر بن صيفي التميمي وعامر بن ظرب العدواني؛ فأما أكثم فكان من المعمرين، ويقال: إنه لحق الإسلام، وحاول أن يعلن إسلامه فركب متوجهًا إلى الرسول، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؛ غير أنه مات في الطريق. وتدور على لسانه حكم وأمثال كثيرة، وقد ساق السيوطي في المزهر طائفة منها نقلًا عن ابن دريد في أماليه، وهي تجري على هذا النسق:"رُبَّ عُجلةٍ تهب رَيْثًا". "ادَّرِعوا الليل فإن الليل أخفى للويل". "المرء يعجز لا محالة". "لا جماعة لمن اختلف لكل امرئ سلطان على أخيه حتى يأخذ السلاح؛ فإنه كفى بالمشرفية واعظًا". "أسرع العقوبات عقوبة البغي". "شر النصرة التعدي". "آلم الأخلاق أضيقها". "أسوأ الآداب سرعة العقاب". "رُبَّ قول أنفذ من صول". "الحرُّ حر وإن مسه الضر". "العبد عبد وإن ساعده الجد". "إذا فزع الفؤاد ذهب الرقاد". "رُبَّ كلام ليس فيه اكتتام". "حافظ على الصديق ولو في الحريق". "ليس من العدل سرعة العَذْل". "ليس بيسير تقويم العسير". "إذا بالغت في النصيحة هجمت بك على الفضيحة". "لو أنصف المظلوم لم يبق فينا ملوم". "قد يبلغ الخضم بالقضم". "استأن أخاك فإن مع اليوم غدًا". "كل ذات بعل ستَئِيمُ". "الحر عزوف". "لا تطمع في كل ما تسمع".وعامر مثل أكثم يدخل في المعمرين، ويقال إنه "لما أسنَّ واعتراه النسيان أمر ابنته أن تَقْرَعَ بالعصا إذا هو فَهّ عن الحكم وجار عن القصد. وكانت من حكيمات العرب حتى جاوزت في ذلك مقدار صُحَر بنت لقمان، وهند بنت الخُسّ، وجمعة بنت حابس. وقال المتلمس في ذلك: لذي الحِلْم قبل اليوم ما تُقْرَعُ العَصَا وما عُلِّم الإنسانُ إلا ليعلما"وكان مثل أكثم حكمًا للعرب تحتكم إليه، وافتخر بذلك ذو الإصبع العدواني في بعض شعره فقال: ومنا حَكَمٌ يَقْضِي فلا يُنْقَضِي ما يَقْضِي وتنسب إليه حكم ووصايا كثيرة لقومه.على أن أكثر حكمهم وأمثالهم لا يعيِّنون قائلها، وهذا طبيعي لأنها تنبعث غالبًا من أناس مجهولين من عامة القبائل، ممن لا يمجدون ولا يحفل بهم الناس، وهم أيضًا لا يحفلون بأنفسهم لأنهم من العامة، والعامة عادة لا يهتمون بنسبة فضل إليهم. ولا بد أن نلاحظ أن بعض أمثالهم يخفي المعنى المراد منه، ومن أجل ذلك كان لا يفهم إلا بالرجوع إلى كتب الأمثال، كقولهم: "بعَيْنٍ ما أرينّك" فإن معناه: أسرع، وهو معنى لا يتبادر إلى السامع من ظاهر اللفظ، ومن ثم علق عليه أبو هلال العسكري بقوله: "هو من الكلام الذي قد عرف معناه سماعًا من غير أن يدل عليه لفظه" ولا بد أن نلاحظ أيضًا أن الأمثال لا تتغير، فتقول: " الصيف ضيَّعتِ اللبن" بكسر التاء إذا خاطبت الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين والجماعة. ومن ثم كانوا يستجيزون في المثل مخالفة النحو وقواعد التصريف والجمع، ففي أمثالهم: "أعط القوسَ باريها4" بتسكين الياء في باريها والقياس فتحها، وفيها أيضًا: "أجناؤها أبناؤها" جمع جان وبان، والقياس. "جُناتها بُناتها" لأن فاعلًا لا يجمع على أفعال. وإذا كانت بعض الأمثال تخالف نظام التصريف والنحو فإن الكثرة الكثيرة لا تشذ على هذا النظام؛ بل إن طائفة تدخل في الصياغة الجاهلية البليغة إذ نطق بها بعض بلغائهم وفصحائهم من أمثال أكثم بن صيفي، وعامر بن الظرب، وكان خطباؤهم المفوهون كثيرًا ما يعمدون إلى حشدها في خطابتهم، يقول الجاحظ: "كان الرجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدة أمثال سائرة، ولم يكن الناس جميعًا ليتمثلوا بها إلا لما فيها من المرفق والانتفاع5" وتبع شعراؤهم خطباءهم يودعونها أشعارهم. ومن ثم كنا نجد كثيرًا منها يتم له لحنه الموسيقي؛ فإذا هو شطر أو بيت. وكثيرًا ما نلاحظ في بعض عباراتها احتفالًا بتوازن الكلمات توازنًا ينتهي بها إلى السجع كما نلاحظ في بعض جوانبها اهتمامًا بالتصوير، ومن أجل ذلك يقول النَّظَّام إنها: " نهاية البلاغة لما تشتمل عليه من حسن التشبيه وجودة الكناية" واقرأ هذه الأمثال: "تجوع الحُرَّةُ ولا تأكل بثَدْيَيْها". "المقدرة تُذْهب الحفيظة". "مقتل الرجل بين فكيه". "إن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه". "من استرعى الذئب ظلم". "في ا لجريرة تشترك العشيرة". "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". "كذي العُرّ يكوي غيره وهو راتع". "استنوق الجمل". "كالمستجير من الرمضاء بالنار" ."حلب الدهر أشطره". "يَخْبِط خَبْط عَشْواء". المنية ولا الدنية. تحت الرغوة اللبن الصريح. هدنة على دخن. رمتني بدائها وانسلت.فإنك تحس جمال الصياغة وأن صاحب المثل قد يعمد إلى ضرب من التنغيم الموسيقي للفظه؛ فإذا هو يسجع فيه أو إذا هو ينظمه شطرًا من بيت. وقد يعمد إلى ضرب من الأخيلة، ليجسِّم المعنى ويزيده حدة وقوة. والحق أن كل شيء يؤكد أن العرب في الجاهلية عنوا بمنطقهم واستظهار ضروب من الجمال فيه، سواء ضربوا أمثالهم أو تحدثوا أو خطبوا، وقد وصفهم جل وعز أو وصف فريقًا منهم بقوله: {وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} وقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وكأنما أصبحت المقدرة البيانية عندهم سليقة من سلائقهم؛ ولذلك لم يكن عجبًا أن تكون آية الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم على صدق رسالته معجزة بلاغية لا يستطيعون أن يجاروها هي القرآن الكريم {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيز، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|