انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة حسن غانم فضالة الجنابي
11/10/2018 12:12:43
المحاضرة التاسعة 2. مفهوم الحداثة في المستوى الإيقاعي: كانت جماعة المهجر رديفة لجماعة الديوان في الدعوة الى التحرر من الاوزان والقوافي أي موسيقى الشعر القديم. وصبت جم نقدها وغضبها على الطريقة الخليلية. فـ(أمين الريحاني) رائد الجماعة الاول كان ذا مزاج ثوري، وباحتكاكه بالآداب الغربية زاد في ثورته، وسعى الى تحرير الشعر من هذه القيود فكان ثائراً على الوزن والقافية لا على الاصالة الشعرية(1)، داعياً الى الشعر المنثور وهو من اوائل من كتبه، مقدماً تعريفاً صريحاً لهذا الضرب من الشعر فيقول: "يدعى هذا النوع الجديد بالإفرنسية Vers Libre وبالانكليزية Free Verse – أي الشعر الحر الطليق – وهو آخر ما وصل اليه الارتقاء الشعري عند الافرنج، وبالأخص عند الانكليز والاميركيين. فشكسبير اطلق الشعر الانكليزي من قيود القافية، وولت وتمن الامريكي اطلقه من قيود العروض كالاوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية، على أن لهذا الشعر الطليق وزناً جديداً مخصوصاً، وقد تجيء القصيدة فيه من أبحر عديدة متنوعة. وولت وتمن هو مبتكر هذه الطريقة وزعيمها، وقد انضم تحت لوائه بعد موته كثير من شعراء امريكا وأوربا العصريين، وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات (وتمنية) بين اعضائها فريق من الأدباء المغالين بمحاسن شعره، المتخلقين بأخلاقه الديمقراطية، المتشيعين لفلسفته الامريكية، إذ أن مزايا شعره لا تنحصر بقالبه الغريب الجديد فقط، بل بما فيه من الفلسفة والخيال بما هو أغرب وأجد"(2) فالريحاني نراه من خلال مفهومه للشعر المنثور، يرى انه آخر سُلّم التقدم والارتقاء الذي وصل اليه الشعر، ويعود الفضل لاستاذه (وتمان)، وعلى الرغم من انه نوع يحرر الشاعر من قيود القافية، إلا ان له وزناً جديداً ومخصوصاً، وفي معظم الاحيان تأتي القصيدة وهي متنوعة البحور(3). ودعوة (الريحاني) هذه في عصره دعوة تقدمية املتها عليه حاسته النقدية المتفتحة لمواكبة التقدم في مجال الإيقاع الشعري. وقد اختلف عدد من الباحثين حول موسيقى هذا الضرب عند (الريحاني). فقد رأى (أنيس المقدسي) أنه نوع من النظم، وأنه "محاولة جديدة قام بها البعض محاكاة للشعر الإفرنجي. وممن فتحوا هذا الباب أمين الريحاني، فإن له في الجزء الثاني من ريحانياته عشر قطع، وفي الجزء الرابع ثلاث عشرة قطعة، نلمس في جميعها هذه النزعة إلى النظم الحر من قيود الأبحر العروضية المعروفة"(4) وتابعت (نادرة سراج) (المقدسي) في رأيه بنظم (الريحاني) لهذا الضرب من الشعر، وقدمت له الشواهد(1). اما (انس داود) فيرى ان ما دعاه (الريحاني) (الشعر المنثور) ماهو إلا لون من الوان (النثر الفني) الذي يمسه الشعر بروحه ويرفرف عليه بأخيلته، ويتغشاه بأجوائه، دون ان يغير من نثريته(2). والباحث يرى انه ضرب متقدم من الشعر يعبر به الشاعر عن نفسه دون قيد. وعلى الرغم من اختلاف الباحثين حول طبيعة هذا الضرب، يجب ان نقول ان (الريحاني) قدم خدمة للشعر العربي الحديث، اذ يرجع له الفضل في نقل هذا الضرب الينا لنواكب آخر التطورات الفنية في مجال الشعر. كوّن (الريحاني) من خلال مفهومه للشعر المنثور الأسس النظرية لهذا الضرب، وما يهمنا هنا هو الجانب الايقاعي، لأن الموسيقى هي اولى سمات اللغة الشعرية التي نفرق بينها وبين لغة النثر، فقد نجمع في النثر كل خصائص الشعر، ولكنه يظل نثراً ، ما دام يفتقر الى الموسيقى ، وليس من الضروري ان تكون هذه الموسيقى هي الموسيقى الصاخبة والقوية التي نجدها في الشعر القديم، ولكن الضروري ان يكون لتلك الموسيقى نظام تخضع له أيا كان ذلك النظام. هذا من حيث الجانب النظري، اما من حيث الجانب التطبيقي فإننا نجده الّف كثيراً من ذلك الضرب وضمنه في مجموعته (هتاف الاودية) ومن قصائدها (ريح سموم)(3) وقصيدته (عشية رأس السنة) التي يقول فيها(4): "قم أيها القاعس المتقاعس، البائس من الحياة قم أيها البخيل النائم على الصكوك والأوراق قم أيها المقامر العبوس المكتئب قم أيها المسرور المحبور المبتهج قم أيها الساخر بأفراح الشعب الساذج انهضوا من رقادكم. اخرجوا من سجونكم اطلقوا النفس من قيودها في هذه الليلة يتحرر الانسان" وبذلك يكون (الريحاني) من الشعراء القلائل الذين دعوا نظرياً لهذا الضرب من الشعر، وطبقوه من خلال تقديم النموذج الشعري المناسب، وبذلك كان (الريحاني) صادقاً بدعواه هذه، وكتابته له ماهي إلا محاولة للوصول الى حداثة اكثر تقدماً، واكثر تحرراً من القيود الخليلية. ومثلما ثار (جبران) على اللغة القديمة، ورغب في تحقيق لغة جديدة واكثر تقدماً، ثار ايضاً على نير القافية المتوارثة. وقدم رأياً في بيانه (لكم لغتكم ولي لغتي) رافضاًَ فيه الوزن والقافية والضرورات الشعرية وكل ما جاء من الخليل وعروضه، فيقول مخاطباً المحافظين على الموسيقى الموروثة : "لكم منها العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز، ولي منها جدول يتسارع مترنماً نحو الشاطئ، فلا يدري ما اذا كان الوزن في الصخور التي تقف في سبيله أم القافية في أوراق الخريف التي تسير معه"(1) فالجدول المتسارع المترنم هو موسيقى النفس التي يرغب فيها جبران، وبهذا فهو يرفض القوالب الجاهزة والموسيقى القديمة بوزنها وقافيتها المحددين، ولهذا قال: "لو تخيل الخليل أن الأوزان التي نظم عقودها وأحكم أوصالها ستصير مقياساً لفضلات القرائح وخيوطاً تعلق عليها أصداف الافكار، لنثر تلك العقود وفصم عرى تلك الأوصال"(2) فالشعر عند (جبران) لايتقيد بوزن ولا بقافية ، بل هو همسات وترانيم تهمس بها النفس ويرتل بها الشعور. وهو ايقاع يتناسب مع إيقاع الحياة الذي يتغير تبعاً لتغير الحياة وتطورها. ومثلما ابتدع (الريحاني) الشعر المنثور ونقله الى العربية، ابتدع (جبران) اسلوب النثر الشعري، وصار الكتّاب يطلقون عليه (الطريقة الجبرانية)(3) وهو الآخر اسلوب متأت من اثر الكتاب المقدس واسلوب الفلاسفة والادباء الغربيين امثال (روسو) و(بليك) و(نيتشه) في (جبران)(4). ان اسلوب (جبران) هذا اعطى مفهوماً متقدماً عن الجمال في التنسيق والبيان، فنثره الشعري المترقرق والمتناسب والمتوازن، جعل القافية المتتابعة في اعيننا قذى، ورنتها في آذاننا دندنة ونقنقة(1). واختلف الباحثون كعادتهم حول كل جديد، في طبيعة هذا الاسلوب الجبراني. فيرى (المقدسي) انه اسلوب من اساليب النثر التي تغلب فيها الروح الشعرية من قوة في العاطفة، وبُعد في الخيال، وايقاع في التركيب، وتوفر على المجاز(2). ويرى (مارون عبود) ان (جبران) "شاعر في منثوره لا في منظومه"(3)، ويرى (حاوي) ان قطع (جبران) ماهي إلاّ قصائد نثرية لأنه "استطاع ان ينمي قصيدة النثر ويقترب بها من الكمال فيجعلها جنساً ادبياً وشعراً حقيقياً"(4)، ويرى (عبد الكريم الاشتر) ان هذه القطع ماهي إلاّ مجموعة من مقالات(5)، في حين ترى (سلمى الجيوسي) انه على الرغم من كونه نثراً شعرياً يختلف عن النثر السائد في وقته آنذاك، لكنه لم يبلغ مستوى القصيدة الحق أبداً(6). وترى ايضاً انه خدم الشعر العربي عن طريق نثره الشعري الجديد(7). والباحث يرى انه اسلوب من النثر المتقدم، وهو اسلوب يتحكم بالشكل والمضمون، فباسلوبه هذا استطاع ان يحرر نفسه من قيود الموسيقى الموروثة، وامتاز بموسيقى جديدة، موسيقى الانسياب المتماوج والانبساط في الايقاع. وعلى الرغم من ثورة (جبران) على العروض القديم، لكنه لم يخرج عن دائرة القديم باكمله، ومن يقرأ شعره يجد قصائد مبنية على وزن واحد وقافية واحدة، كما هو في قصيدته (سكوتي انشاد) و (اذا غزلتم) وقصائد مبنية على شكل الموشحات كما هو في قصائده (يامن يعادينا) و (يا نفس) و (البلاد المحجوبة)(8). وثار (نعيمة) ضد الوزن والقافية الموحدين في موسيقى الشعر، لكنه بثورته هذه يظهر لنا بعض التناقض في موقفين له. ففي موقفه الاول يرى ان كليهما ليس من ضرورات الشعر فيقول: "فلا الأوزان ولا القوافي من ضرورة الشعر، كما أن المعابد والطقوس ليست من ضرورة الصلاة والعبادة"(1) وفي موقفه الثاني يرى ان الوزن ضروري اما القافية فهي قيد ويقول بهذا الموقف: "الوزن ضروري أما القافية فليست من ضروريات الشعر لاسيما إذا كانت كالقافية العربية برويّ واحد يلزمها في كلّ القصيدة [...] فلا مناص لنا من الاعتراف بأن القافية العربية السائدة الى اليوم ليست سوى قيد من حديد نربط به قرائح شعرائنا –وقد حان تحطيمه من زمان"(2) الملاحظ ان كلا الموقفين عند (نعيمة) يدلان على تمرده في وجه الموسيقى القديمة. غير ان موقفه الاول يمثل الثورة القطعية والتحرر منهما، ويمثل الموقف الآخر الثورة على مفهوم الشعر العمودي القديم، وكأنه بهذا الموقف يدعم الشعر المنثور والنثر الشعري(3). وهذا ما يساند ثورة (الريحاني) و(جبران) وابتداعهما طرائق التعبير الجديدة. ولم يكتف (نعيمة) بدعوته التنظيرية هذه، اذ نراه يطبقها في شعره، فنراه ينظم قصيدة على وزن معين وقافية معينة، ثم نراه يمل من هذه القافية، وينظم مجموعة اخرى من الابيات على قافية اخرى، ثم نراه يعود الى القافية الاولى في المجموعة الثالثة، وهكذا يستمر في التغيير والتنويع. وقصائد ديوانه (همس الجفون)(4) خير مثال لذلك التنويع والتغيير. ورأى (نعيمة) أنه بجري الشعراء "وراء ناصية العروض قد أفلتت من يدنا ناصية الشعر، وأننا في جهدنا وراء التمييز بين صحيح أوزان الشعر وفاسدها قد نسينا الفرق بين ماهو شعر وما ليس شعراً"(5). ومن الغريب في هذا المضمار، على الرغم من ثورة (نعيمة) على القيود النظمية، أننا نراه يكتب قصائد ذات قواف موحدة مثل (تخدير افكار)(1) و (الطمأنينة)(2)، ونراه يكتب قصائد ذات قواف مزدوجة مثل (النهر المتجمد)(3) واخرى مقطعية مثل (اخي)(4) مع تلاعبه بالوزن احياناً داخل القصيدة.
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|