انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة حسن غانم فضالة الجنابي
11/10/2018 12:09:58
المحاضرة السابعة بنية مفهوم الحداثة وعناصرها عند شعراء المهجر ليس من السهل ولا من المنطقي أن نتحدث عن كل عنصر من عناصر بنية مفهوم الحداثة عند أي شخص او مجموعة. ولكن من الطبيعي والمنطقي ان ينصب الحديث على أهم العناصر الفاعلة في تشكيل المفهوم ، ومن ذلك عند جماعة المهجر:
1. مفهوم الشعر ورسالة الشاعر: يتضح انبثاق مفهوم الشعر من الرغبة في مواكبة التطور في الروح العام الذي يتحسسه الشاعر من خلال قول (الريحاني) معرّفاً الشعر: "الشعر أمواج من العقل والتصور تولدها الحياة ويدفعها الشعور فتجيء الموجة كبيرة أو صغيرة، هائجة أو هادئة، محرقة أو باردة، او فاترة بحسب ما في الدوافع من فورة الحس والبيان، فاذا جعل للصيغ اوزان وقياسات تتقيد معها الأفكار والعواطف فتجيء غالباً وفيها نقص أو حشو أو تبذل أو تشويه أو إبهام. وهذه بليتنا في تسعة اعشار الشعر المنظوم الموزون في هذه الأيام"(1). ان المفهوم السابق مزيج من عدة عناصر، كالفكرة والصورة والعقل، وهذا قريب من مفهوم (وولت ويتمان) للشعر، إذ قال: "إن الشعر ليس قائماً في نغم او في اتساق أو في تناول الأشياء تناولاً مجرداً ولا في شكاوى حزينة أو حكم مأثورة، بل هو حياة هذه وغيرها وهي قائمة في النفس"(2). وهكذا نجد أن ثورة (الريحاني) على المفهوم القديم للشعر كان دافعها الأول هو الخلاص من القيود النظمية والبلاغية، من أجل التعبير بشعر صادق عن النفس والفكر. اما رسالة الشاعر في ضوء مفهوم (الريحاني) فهي ان يعكس الحقيقة الواقعية، لأن دور الشاعر هو التغني من اجل الشعب والحياة ، وهي رسالة شاملة النواحي بمعاني الحياة العامة(1). وهو مفهوم قريب من مفهوم (ويتمان) لرسالة الشاعر ودوره، اذ عمل ويتمان طوال حياته الأدبية، على التغني من اجل شعب اميركة، واميركة الوطن، وتقدمها، لأجل تحقيق الحرية والديمقراطية فيها(2). اما مفهوم (جبران خليل جبران) للشعر، فهو قريب في روحه من مفهوم الشعر لدى الريحاني الا انه مصوغ بصورة غامضة لأنه يقول: "الشعر ياقوم روح مقدسة متجسمة من ابتسامة تحيي القلب أو تنهدة تسرق من العين مدامعها، اشباح مسكنها النفس وغذاؤها القلب ومشربها العواطف، وان جاء الشعر على غير هذه الصور فهو كمسيح كذاب، نبذه أوقى"(3) وبذلك المفهوم لا نخرج بشيء محدد، لأنه عرض مفهوم الشعر باسلوب سيطر عليه الخيال الشعري، وسيطرت عليه ايضاً العبارات الموسيقية الرنانة. وفي مقاله (لكم لغتكم ولي لغتي) نجده يرفض المفهوم التقليدي للشعر، اذ يقول: "لكم منها العروض والتفاعيل والقوافي، وما يحشر فيها من جائز وغير جائز، ولي منها جدول يتسارع في أوراق الخريف التي تسير معه"(4). ومن هنا فإن الوزن والقافية اصبحا قيداً يقف ضد ابداع الشاعر، في حين ان الشعر فن حر لأنه همسات وترانيم تهمس بها النفس ويرتل بها الشعور، وهذا الشعر بعيد عن تناول اغراض الشعر القديم وموضوعاته(5). وبما ان الشعر هو الروح المقدسة، فهذا برهان على ان الشعر عند (جبران) قائم على الرغبة في مواكبة الشاعر لتطورات الحياة حوله وان يكون هو الوسيط المعبر عنها بأمانه وصدق: "أقول لكم إنما الشاعر رسول يبلغ الروح الفرد ما أوحاه اليه الروح العام"(1). ومن هنا فالشاعر هو من يتسقط الوحي، وهو الوسيط بين الحياة والإبداع من جهة ، والبشر من جهة ثانية. ويعرفه (جبران) بأنه "السلك الذي ينقل ما يحدثه عالم النفس إلى عالم البحث، وما يقرره عالم الفكر الى عالم الحفظ والتدوين"(2). وقد اكتسب (جبران) هذه الفكرة من الشاعر (وليم بليك) الذي قال: "العبقرية الشعرية هي روح النبوة"(3). ومن هنا نلاحظ ان العملية الشعرية عند (جبران) قائمة بين الشاعر – المبدع – والبشر، شرط ان يتوافر عنصران في هذه العملية وهما (العاطفة والفكر) ، وقد صرح (جبران) بذلك حينما قال: "أقول لكم إن النظم والنثر عاطفة وفكر وما زاد على ذلك فخيوط واهية واسلاك مقطعة"(4) وبذلك اصبح الشعر انغاماً حرة معبرة عن افكار مفعمة بالعاطفة، لأن الشعر اصبح عنده حالة وجدانية فكرية، تعبر عن روح الشاعر بشكلها الفني الصادق المتمثّل للروح العام. اما (نعيمة) فيتبنى المفهوم نفسه بلغة اكثر وضوحاً، اذ يقول: "الشعر هو غلبة النور على الظلمة والحق على الباطل. هو ترنيمة البلبل ونوح الورق، وخرير الجداول وقصف الرعد [...] الشعر– لذة التمتع بالحياة، والرعشة أمام وجه الموت. هو الحب والبغض، والنعيم والشقاء. هو صرخة البائس وقهقهة السكران [...] . الشعر– ميل جارف وحنين دائم [...] هو الذات الروحية تتمدّد حتى تلامس أطرافها أطراف الذات العالمية. [...] فالشعر هو الحياة باكية وضاحكة، وناطقة وصامتة، ومولولة ومهللة"(6). فالشعر عند (نعيمة) لا يحد فهو الحياة بكل ميادينها، لكنه ليس الكلام الموزون المقفى، وانما هو اللغة المجسدة لتَمَثّل الكون.
2. نبذ التقليد ونبذ المحاكاة للقديم: دعت الرابطة القلمية الى نبذ التقليد ونبذ المحاكاة للقديم، والى التحرر من قيوده، وطالبت الأديب ان يعيش حياته الحاضرة ويكون أدبه صورة عنها وعن افكارها وتطلعاتها. فطالب (الريحاني) الشاعر ان يعبر عن شخصه بأداء صادق خالٍ من التقليد، لان العبقرية الشعرية كما يرى قائمة في التجديد الذي يصور الحياة الحاضرة، ولا تعني تقليد السلف ومحاكاتهم. يقول عن ذلك: "ومن التجديد أن يكون بياننا – وان خلا من السحر– قريباً من حياتنا الواقعية، له صلة نابضة باحوالنا وعاداتنا، وممثلاً لروحنا الاجتماعية والوطنية"(1). واوصى الشعراء المعاصرين له بأن يحرروا انفسهم "من القيود التي تحول دون الابداع والتجدد، ودون الصدق في الشعور، والحرية في التفكير"(2). ويصر (جبران) على أن الشاعر يجب أن يصدر في شعره عن نفسه ومن نفسه، لا أن يستعيد نفس غيره، وهذا ما يجعلنا ندرك ان التقليد والمحاكاة للقديم مرفوضان عنده. ويرى ان العودة الى الماضي أمر غير واقعي(3)، لان مقابل هذا الماضي– القديم – سوف ينهض الآتي، بمعنى الفكر الجديد الذي سيهزم الفكر القديم – التقليد –(4) ولهذا رأى (جبران) ان ما جاءنا عن طريق تقليد القديم ماهو إلا اشياء جامدة ومحنطة، وكل ما هو تقليدي نعش، واخشاب النعش لاتثمر ولا تزهر(5). ويبدأ (نعيمة) مسيرته النقدية بمقال: (فجر الأمل بعد ليل اليأس) ضَمّنه هجومه على الأدب المحنط الذي يعدّه أدب المحاكاة للقديم(2). ويقول في دور جماعة الرابطة القلمية في التجديد ونبذ التقليد: "ان هذه الروح الجديدة التي ترمي الى الخروج بآدابنا من دور الجمود والتقليد الى دور الابتكار في جميل الاساليب والمعاني لحريّة في نظرنا بكل تنشيط ومؤازرة، فهي امل اليوم وركن الغد. كما ان الروح التي تحاول بكل قواها حصر الاداب واللغة العربية ضمن دائرة تقليد القدماء في المعنى والمبنى هي في عرفنا سوس ينخر جسم آدابنا ولغتنا وان لم تقاوم ستؤدي بها الى حيث لا نهوض ولا تجدد"(3). ومثلما ميز (جبران) بين الشاعر المجدد، والشاعر المقلد، ميز (نعيمة) بين الشاعر المطبوع، والشاعر المقلد/ النظام(4). اذ يرى ان الشاعر المطبوع وهو في قمة ابداعه لا يأخذ القلم في يده إلا اذا كان مدفوعاً بعامل داخلي لا رقابة له فوقه. وافكاره تماثيل من الالفاظ والقوافي لانه يختار منها ما يشاء. فيختار الاحسن إذا كان من المجيدين أو ما دون ذلك بالتدريج بحسب قواه الفنية والأدبية(5). وبهذا لا يكون الشاعر مقلداً للسلف ، بل مبتكر، وهذا ما يتفق عليه (جبران) و(نعيمة) بأن الشاعر خالق، ومبتدع اشياء لم نألفها من قبل(6). إن رفض شعراء المهجر للتقليد جاء نتيجة تأثرهم بالرومانسية الغربية، التي بدت معالمها واضحة عليهم، اذ تركت (بصماتها) على حياتهم الخاصة وعلى نتاجهم الأدبي شعراً ونثراً، وتنظيراً وتطبيقاً، ومن المعروف ان هذه الرومانسية رفضت ما جاءت به الكلاسيكية من التقليد والمحاكاة. وطالبت الشاعر ان يحاكي الطبيعة وبنسبة اشد بمعنى انها تعد الطبيعة هي مصدر الشعر، وعلى الشاعر ان يندمج فيها او تندمج الطبيعة فيه(1). ونفور الشعراء من التقليد يتفق مع قول (يونغ) في ان التقليد والمحاكاة يخنقان في الشاعر أصالة العبقرية(2). 3. الصدق الفني ورفض الكذب: يقودنا نبذهم للتقليد والمحاكاة الى موضوع مهم في النقد الأدبي، ألا وهو الصدق الفني والمعاناة، ويعد هذا الموضوع اساساً في موازين الرابطة القلمية، وحجر الزاوية في موازين الخلق والابداع. فلا يمكن لأي فن من الفنون ان يرقى اذا قام على التزيين، خاصة اذا علمنا ان الصدق الفني هو اساس تقدم فنون القول في كل العصور وعلى وفق توجّه كل مذاهب الأدب الحديثة المعتدّ بها(1). والشعر احد فنون القول لا يدخل الى نفوسنا اذا لم يكن صادقاً مستنداً الى تجربة يهتز لها ضمير الانسان. وقد لمس ادباء المهجر تلك الحقيقة. فـ(أمين الريحاني) قدم نصائحه للشعراء المعاصرين له في كُتيب صغير سماه (انتم الشعراء) طالباً منهم تحري الصدق والاخلاص في الشعر(2). ولكنه ربط بين عنصر الصدق وآلام الوطن، ولهذا فقد استهدف (الريحاني) الرومانسية والميوعة المخنثة مثلما استهدف الكلاسيكية المحدثة في الوقت نفسه(3). فأزرى على الرومانسيين البكاء والميوعة ، لينزعوا أنفسهم من "مستنقعات التخنث ومن العواطف الصبيانية"(4)، وطالبهم بأدب يشارك في بناء الوطن. وقد لمس (نعيمة) هذه القضية، اذ قال: "ان روح الشاعر تسمع دقات أنباض الحياة وقلبه يردد صداها ولسانه يتكلم (بفضلة قلبه). تتأثر نفسه من مشهد يراه أو نغمة يسمعها فتتولد في رأسه أفكار في الحلم واليقظة فتملك كل جارحة من جوارحه حتى تصبح حملاً يطلب التخلص منه. وهنا يرى نفسه مدفوعاً الى القلم ليفسح مجالاً لكل ما يجيش في صدره من الانفعالات وفي رأسه من التصورات"(4). والشاعر الذي يملك نفاذ البصيرة، يكتب في صدق فني، ويعطينا صورة قريبة عما أحس به. والحديث عن الصدق الفني عند العرب قديم، فقد مال بعض الشعراء الى تحري الصدق في شعره، واتخذه له مذهباً، فيقول حسان بن ثابت(3): وإن أحسن بيت أنت قائله بيتُ يقال اذا انشدتَه صدَقا وإنما الشعر لبّ المرء يعرضه على المجالس ان كيسا وان حمقا
4. الاعتداد بالخيال: لكي تتحقق الوحدة العضوية التي أشار اليها شعراء المهجر من بعيد(5)، في قصائدهم فلابد استناداً الى مفهوم رومانسي(6)، من وجود عنصر الخيال. والخيال عند شعراء الرابطة القلمية وسيلة للنفاذ الى اعماق الأشياء، فقد اهتم (جبران) بالخيال حتى إنه كان يجسد له مخلوقات وهمية تقاسمه الحياة(7). وقال عن الخيال: "ما أجهل من يتخيل أمراً ويتصوره بشكله ومعالمه، وعندما يستحيل عليه إثباته بالمقاييس السطحية، والبراهين اللفظية، يحسب الخيال وهماً، والتصور شيئاً فارغاً، ولكن لو تعمق قليلاً وتأمل هنيهة لعلم أن الخيال حقيقة لم تتحجر بعد، وأن التصور معرفة أسمى من أن تتقيّد بسلاسل المقاييس، وأعلى وأرحب من أن تسجن باقفاص الألفاظ"(1). فالخيال لدى (جبران) خيالُ له مقاييسه الخفية، وبراهينه غير المحسوسة، مما يجعله يفوق المنطق ويُخلفه وراءه. وتناول (نعيمة) هذه القضية من منطلق واقعي، اذ يرى ان هناك تشابهاً بين الحقيقة والخيال، وليس ثمة أي فرق بينهما في الشعر، فالشعر قوى هائلة تجسم احلامنا عن الجمال والعدل والحق والخير، وخيال الشاعر هو روح هذه القوى الهائلة، التي تستمد وجودها من حقائق الحياة المعيشة(2). فالأمر اذاً موكل للشاعر، فهو يضع صفات الأشياء في نسبة متقدمة غير التي نراها في واقعنا اليومي "وتغيير النسبة هو اختلاف الشاعر الذي ندعوه (خيالاً)"(3). ويستمر (نعيمة) في حديثه عن الخيال حتى يجعل خيال الشاعر حقيقة فيقول: "خيال الشاعر حقيقة. والشاعر الذي يستحق أن يدعى شاعراً لا يكتب ولا يصف الا ما تراه عينه الروحية ويختمر به قلبه حتى يصبح حقيقة راهنة في حياته ولو كانت عينه المادية احياناً قاصرة عن رؤيته"(4). فالخيال عند (نعيمة) لا يخلق من العدم، وانما عين الشاعر الروحية تصوغ الأشياء التي يراها بصيغة فنية، وبشكل لم يسبق للأنام الإتيان بصوغها الفني. ولكن أي خيال اعتد به المهجريون؟ اعتد المهجريون بالخيال الرومانسي حتى كانوا اكثر تمثيلاً لمفهوم الخيال الرومانسي في شعرهم من غيرهم، وفاقوا خيال مدرسة الديوان. وربما يعود ذلك الى كونهم اكثر احتكاكاً وارتباطاً بالرومانسية وبالفكر الغربي في موطنه الاساس من غيرهم، ذلك المفهوم الذي حقق انتصاراً عظيماً في الفلسفة الرومانسية التي كانت ثورة غير طبيعية للاحساس الخيالي(5). ويقترب مفهوم شعراء الرابطة القلمية كذلك من مفهوم (وليم بليك) الشاعر الذي أحبه (جبران)، وتأثر بشخصه وفنه. قال (بليك) عن الخيال: "إن عالم الخيال هو عالم الأبدية، وإن القوة الوحيدة التي تخلق الشاعر هي الخيال أو الرؤية المقدسة"(1)، وهكذا استطاع شعراء المهجر ان يتمثلوا الخيال الرومانسي الغربي، واصبح الخيال عندهم وسيلة مهمة لإدراك الحقائق فأحلوه محل العقل، وجعلوه المنفذ الرئيس للوصول الى الحقيقة المستكنّة في الروح العام. 5. تجربة الغربة: ان العالم الجديد الذي انتقل اليه المهجريون، بما فيه من تقدم ومغريات، جعلهم يحسون بالغربة والمعاناة، وهذا ما جعل موجة التصوف طاغية عليهم. و "نتيجة لتأملهم الطويل بالذات، وفيما حولهم من الكائنات شأنهم نشأن الفلاسفة الروحيين، انشغلوا فيما انطوى في اعماق النفس من المخبآت والودائع وانشغلوا بمشاكل الوجود، وقضايا الفناء والخلود فاتجهوا بفنهم الى استجلاء غوامضها"(2). ان هذا الشعور العائم، ودخولهم في حومة الصراع حول قضايا لايخرج المرء فيها بنتيجة ، جعلهم يحسّون بالغربة الدائمة، غربة الروح بعيداً عن هذا الواقع الذي لا تربطهم به رابطة، فهذا (الريحاني) يعاني من الغربة وهو بين ابناء وطنه، فقال: "أليس في وسع المرء ان يعيش في هذا العالم، دون ان تطبع روحه بطابع الملة، وتصبغ بصبغة الطائفة، ألا يقدر ان يكتسب ثقة اخوانه البشر دون ان يعلن انتماءه الضيق ويفاخر بتعصبه ويكابر بغيرته الدينية"(3) فالغربة التي يعاني منها (الريحاني) في جانبها الأكبر، ليست مكانية كما عانى منها شعراء الاطلال والاسلام، وانما هي غربة نفسية حائرة لاذعة. اما شعور (جبران) بالغربة فهو يكاد يلف اكثر الادباء الرومانسيين، أليس هو القائل: "أنا غريب في هذا العالم. أنا غريب وفي الغربة وحدة قاسية ووحشة موجعة غير أنها تجعلني أفكر أبداً بوطن سحري لا أعرفه"(4). فنفس (جبران) الثائرة تأبى ان تسكن هذا الواقع. ولهذا ذهب يبحث عن عالم آخر، غريب ليس له وجود حقيقي ألا في مخيلته، وقال عن هذا(5): يا بلاداً حُجبَتْ مُنذُ الأزلْ كيفَ نرجوك ومن أي سبَيلْ؟ وسبب غربته النفسية، يعود الى اصطدامه بالعالم الواقعي الذي رآه متحجراً، فأراد ان يحل عقدة هذا التحجر فما استطاع، لأنهم رفضوا ان يرتقوا الى مستوى التصور الرفيع، وحينما أبوا ذلك، وجدهم وكأنهم خلقوا ليكونوا ضده، وعن تصور(جبران) هذا، قال (نعيمة): "لقد خيل الى جبران أنه يحارب عدَوّا هو العالم"(1) ولا غرو إذ وجد (جبران) نفسه غريباً في عالم لاهٍ عن الروح متعلق بالجسد، ولكنه ليس غريباً عن هذا العالم فقط بل عن نفسه ايضاً، اذ يقول: "أنا غريب عن نفسي، فإذا ما سمعت لساني متكلّماً تستغرب أذني صوتي، وقد أرى ذاتي الخفية ضاحكة، باكية، مستبسلة، خائفة، فيعجب كياني بكياني، وتستفسر روحي روحي، ولكنّني أبقى مجهولاً مستتراً، مكتنفاً بالضباب، محجوباً بالسكوت"(2).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|