مُسَوِّغات تنكير صاحب الحال
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبـاً ذُو الْحَـالِ إِنْ لَمْ يَتَأَخَّـرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْـدِ نَفْىٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـلاَ يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِىءٍ مُسْتَسْهِلاَ
ما الأصل في صاحب الحال التعريف ، أو التنكير ؟
الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة ، نحو جاء زيدٌ مُسْرِعاً ، ورأيت الطفلَ باكياً . وقد يأتي صاحب الحال نكرة عند وجود مُسَوَّغ .
س13- ما مسوِّغات تنكير صاحب الحال ؟
ج13- لا يُنكَّر صاحب الحال في الغالب إلا عند وجود مُسَوِّغ ، وهو أحد الأمور الآتية :
1- أنْ تتقدّم الحال على صاحبها النكرة ، نحو: جاء ضاحكاً طفلٌ ، ونحو : فيها قائماً رجلٌ .
2- أنْ يُخَصَّصَ صاحب الحال النكرة بوصف ، أو إضافة . فمثال ما تَخَصَّص بوصف ، قولك : جاءني طالبٌ مجتهدٌ سائِلاً ، ومثال ما تَخَصَّص بإضافة ، قولك : جاءني طالبُ علمٍ سائلا ً.
3- أنْ يقع صاحب الحال النكرة بعد نفي ، أو شِبْهِه ،كالنّهي ، والاستفهام . فمثال النفي ، قولك : ما جاءني أحدٌ سائلاً . ومنه قوله تعالى :
فجملة ( لها كتابٌ ) حال من النكرة ( قرية ) وصحّ مجيء الحال من النكرة لتقدّم النفي عليها .
ولا يصحُّ أن تكون الجملة صفة لقرية خِلافا للزمخشريّ ؛ لأن النعت لا يُفْصَلُ بينه وبين المنعوت بالواو ، ووجود ( إلا َّ) مانع أيضاً من ذلك ؛ لأنه لا يُعْتَرض بإلا بين النعت والمنعوت ، ومِمَّنْ صَرَّح بمنع ذلك : أبو الحسن الأخفش ، وأبو علي الفارسيّ .
وفي هذه الآية مسوِّغ آخر لتنكير صاحب الحال ،سيأتي بيانه في المسوِّغ الرابع .
ومثال النهي قولك : لا يدخلْ أحدٌ الفَصْلَ مُتَأخِّراً ، وكما في قول الناظم :
لا يَبْغِ امرؤٌ على امرئٍ مُسْتَسْهِلاً ، وكما في قول الشاعر :
لا يَرْكَنَنْ أحـدٌ إلى الإحْجَامِ يومَ الوَغَى مُتَخَـوِّفاً لِحِمَامِ
ومثال الاستفهام ، قولك : هل دخل أحدٌ الفصل مُتَأخِّراً ؟ وكما في قول الشاعر: ياصَاحِ هَلْ حُمَّ عَيْشٌ بَاقياً فَتَرَى لِنَفْسِكَ العُذْرَ في إبْعَادِهَا الأَمَلاَ
( م )4- أنْ تكون الحال جملة مقترنة بالواو ، كما في قولك : زارنا رجلٌ والشمسُ طالعةٌ ، وكما في قوله تعالى : .
5- أن تكون الحال جامدة ، نحو قولك : هذا خاتمٌ حديداً ؛ وذلك لأنّ الوصف بالجامد خلاف الأصل ، وإنما جاز مجيء الحال جامدة ؛ لأنها أصلٌ لصاحبها - كما عرفتَ ذلك سابقا - وبعض النحاة يرتضي إعرابها تمييزاً .
6- أن تكون النكرة مشتركة مع معرفة ، أو مع نكرة يصح أن تجيء الحال منها . فمثال مجيئها مشتركة مع معرفة ، قولك : زارني خالدٌ ورجلٌ رَاكِبَيْنِ ، ومثال مجيئها مع نكرة يصح أن تجيء الحال منها ، قولك : زراني رجلٌ صالحٌ وشابٌّ مُبَكِّرَيْنِ . ( م )
قال تعالى : . وقال الشاعر :
وَبِالْجِسْمِ مِنِّى بَيِّنـاً لـو عَلِمْتـِهِ شُحُوبٌ وإِنْ تَسْتَشْهِدِي العَيْنَ تَشْهَدِ
وقال الشاعر :
ومَا لاَمَ نَفْـسي مِثْلَهَـا لى لاَئِمٌ ولا سَدَّ فَقْرِي مِثْلُ ما مَلَكَتْ يَدِي
وقال الشاعر :
نَجَّيْتَ يا ربِّ نُوحاً واسْتَجَبْتَ لَهُ فى فُلْكٍ مَاخِـرٍ فى اليَمَّ مَشْحُونَـا
وقال الشاعر : مَا حُمَّ مِنْ مَوْتٍ حِمًى وَاقِياً ولا تَرَى مِنْ أَحَدٍ بَاقِيَـا
عيِّن الشاهد في كلِّ ما سبق ، وما وجه الاستشهاد فيها ؟
الشاهد في الآية الكريمة ، قوله تعالى : . وجه الاستشهاد : أورد ابن عقيل هذه الآية شاهداً على مجيء
صاحب الحال نكرة إذا خُصِّص بوصف ، وهو قوله تعالى :
وأمراً : حال من ( أمر ) الأول ، وهذا هو إعراب الناظم ، وابنه .
( م ) ومِن العلماء مَن جعل (أمراً) حالا من (كلّ أمر) وهي نكرة ؛ لأن المضاف إليه نكرة ، ومنهم من جعل (أمراً) حالاً مِن الضمير المستتر في (حكيم) ومنهم من جعله حالاً من الضمير الواقع مفعولاً ( أي : مأموراً به ) . ( م )
الشاهد في البيت الأوّل : بَيِّناً . وجه الاستشهاد : وقعت الحال ( بيِّنا ) من
النكرة ( شُحوب ) والمسوِّغ لذلك تقدُّم الحال على صاحبها .
الشاهد في البيت الثاني : مثلَها لي لائم . وجه الاستشهاد : في هذا البيت حالان ، الأول قوله : ( مثلَها ) والثاني ، الجار والمجرور ( لي ) وكلاهما وقع حالا من النكرة ( لائم ) والمسوغ لذلك تقدّم الحال على صاحبها .
الشاهد في البيت الثالث : مَشْحُونا . وجه الاستشهاد : وقع الحال (مشحونا) من النكرة ، وهي قوله ( فلك ) والمسوِّغ لذلك أنها وُصِفَت بكلمة ( ماخر ) فَقَرُبَت من المعرفة .
الشاهد في البيت الأخير : وَاقِياً ، وبَاقِياً . وجه الاستشهاد : وقع الحال (واقيا) من النكرة ( حِمًى ) ووقع الحال ( باقيا ) من النكرة ( أحدٍ ) والمسوِّغ لذلك أنّ النكرة مسبوقة بالنّفي في الموضعين .
( م ) وإنما يكون الاستشهاد بقوله ( باقيا ) على أنها حال إذا جعلنا ( تَرى ) بصريّة ؛ لأنها تحتاج إلى مفعول واحد وقد استوفته ، وهو ( من أحدٍ ) فمن : زائدة ، وأحدٍ : مفعول به مجرور لفظاً منصوب محلا .
أما إذا جعلت ( ترى ) قَلْبِيَّة فإن قوله ( باقيا ) يكون مفعولا ثانيا . ( م )
ممَّ احترز الناظم بقوله : " غالباً " ؟ وما مذاهب العلماء فيما احترز منه ؟
احترز بذلك مما ورد فيه مجئ الحال من النكـرة بلا مُسَوِّغ .
ومنه ما ورد في الحديث :"صلَّى رسولُ r قاعداً وصَلَّى وراءَه رجالٌ قِياماً " . ومنه قولهم : "مررت بِمَاءٍ قِعْدَةَ رَجُل ٍ، وقولهم : عليه مائةٌ بِيضاً ، وقولهم : فيها رجلٌ قائماً .
وقد اختلف العلماء في مجيء الحال من النكرة بلا مسوِّغ :
فذهب سيبويه : إلى أنّ ذلك مَقِيس لا يُوقَف فيه على ما ورد به السَّماع ؛ وعِلَّه ذلك عند سيبويه : أنّ الحال إنّما يُؤتَى بها لتقييد العامل فلا معنى لاشتراط المسوِّغ في صاحبها .
وذهب الخليل بن أحمد ، ويونس بن حَبيب : إلى أنّ ذلك مما لا يجوز أنْ يُقاس عليه ، وإنّما يُحفظ ما ورد منه .
حكم تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر
وَسَبْقَ حَالٍ مَا بِحَرْفٍ جُرَّ قَدْ أَبَـوْا وَلاَ أَمْنَعُـهُ فَقَدْ وَرَدْ
ما حكم تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر ؟
صاحب الحال قد يكون مجروراً بحرف جر أصلي ، وقد يكون مجروراً بحرف جر زائد . فإن كان مجروراً بحرف جر زائد فلا خلاف في جواز تقديم الحال على صاحبها ، نحو : ما جاء مِنْ أحدٍ راكبا . فراكبا : حال من (أحد) المجرور لفظا بِمِنْ الزائدة ؛ ولذلك يجوز تقديم الحال على صاحبها ؛ فتقول :
ما جاء راكبا مِنْ أحد ٍ.
أما إذا كان صاحب الحال مجروراً بحرف جر أصلي ، نحو : مررتُ بهندٍ جالسةً،
ففي تقديم الحال على صاحبها في هذه الحالة خلاف ، بيانه كما يلي :
1- مذهب جمهور النحويين : أنه لا يجوز تقديم الحال على صاحبها المجرور بحرف جر أصلي ؛ فلا تقول في المثال السابق : مررت جالسةً بهندٍ .
2- مذهب الفارسيّ ، وابن بَرْهَان : جواز ذلك ، ووافقهم الناظم بقوله :
" ولا أَمْنَعُهُ فَقَدْ وَرَدْ " ومنه قول الشاعر :
لَئِنْ كانَ بَرْدُ الماءِ هَيْمَانَ صَادِيـاً إلىَّ حَبِيبـاً إنَّهـا لَحَـبِيـبُ
فهيمانَ ، وصادياً : حالان متقدِّمان على صاحبهما الضمير ( ياء المتكلم ) المجرور بحرف جر أصلي ، هو ( إلى ) .
ومنه قول الشاعر:
فَإِنْ تَكُ أَذْوادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلنْ يَذْهَبُوا فَرْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ
فَفَرْغاً : حال متقدمة على صاحبها ( بقتل ) المجرور بحرف جر أصلي ، هو :
الباء . أمَّا إذا لم يكن صاحب الحال مجرورا فتقديم الحال عليه جائز سواء كان مرفوعا ، نحو : جاء ضاحكاً زيدٌ ، أم كان منصوبا ، نحو : رأيت باكيةً هنداً .
حكم مجيء الحال من المضاف إليه
وَلاَ تُجِـزْ حَـالاً مِنَ الْمُضَافِ لَهْ إِلاَّ إِذَا اقْتَضَى الْمُضَـافُ عَمَلَهْ
أَوْ كَانَ جُـزْءَ مَـا لَهُ أُضِيفَــا أَوْ مِثْلَ جُــزْئِهِ فَـلاَ تَحِـيفَا
ما حكم مجيء الحال من المضاف إليه ؟
لا يجوز مجيء الحال من المضاف إليه إلا إذا تحقّق في المضاف أحد الشروط الثلاثة الآتية :
1- أن يكون المضاف عاملا في المضاف إليه ، كاسم الفاعل ، واسم المفعول ، والمصدر ، ونحوها مِمَّا تضمَّن معنى الفعل ، نحو : هذا ضاربُ هندٍ خائفةً . فالمضاف ( ضارب ) اسم فاعل يعمل عمل فعله ( ضربَ ) فهو يطلب الفاعل، والمفعول كما يطلبهما الفعل ( ضرب ) والفاعل ضمير مستتر ، والمفعول به في
المعنى هو ( هند ) وبهذا يكون المضاف قد عمل في المضاف إليه ؛ ولذا جاز
مجيء الحال ( خائفةً ) من المضاف إليه ( هند ) .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : فجميعاً : حال من المضاف إليه الضمير ( كُمْ ) لأن المصدر ( مَرْجع ) يعمل عمل فعله ، فالمضاف إليه فاعل في المعنى . ومن ذلك قول الشاعر :
تَقُولُ ابْنَتِي إنَّ انْطِلاَقَكَ وَاحِـداً إلى الرَّوعِ يومـاً تَارِكي لا أَبَا لِيَا
فواحدا : حال من المضاف إليه (الكاف) في انْطِلاَقك ؛ وذلك لأن المضاف
( انطلاق ) مصدر يعمل الفعل فهو يَتَطَلَّب فاعلا كما يتطلبه فعله ( انْطَلَقَ )
والكاف هي الفاعل في المعنى ، وبذلك يكون المضاف عاملا في المضاف إليه ؛ ولذا جاز مجيء الحال من المضاف إليه .
2- أن يكون المضاف جُزْءاً حَقِيقياً من المضاف إليه ، كما في قوله تعالى :
فإخوانا : حال من الضمير ( هم ) في وصدور: مضاف وهو جزء حقيقي من المضاف إليه (هم)، وكما في قوله تعالى :
فميتاً : حال من المضاف إليه ( أخ ) والمضاف ( لحمَ ) جزء حقيقي منه .
3- أن يكون المضاف بمنزلة الجزء الحقيقي من المضاف إليه ، فيصحّ حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه فلا يتغيَّر المعنى العام ، كما في قوله تعالى :
فحنيفاً : حال من المضاف إليه ( إبراهيم ) والمضاف ( مِلَّة ) كالجزء من المضاف إليه ؛ لأنه يصح الاستغناء بالمضاف إليه عن المضاف بعد حذفه ، فلو قيل في غير القرآن ( أن اتّبِعْ إبراهيم حنيفاً ) لصحَّ المعنى .
ومن ذلك قولك : تَمَتَّعْتُ بجمالِ الحديقةِ واسعةً ، فواسعة : حال من المضاف إليه ( الحديقة ) والمضاف ( جمال ) كالجزء من المضاف إليه ؛ لصّحة حذف المضاف والاستغناء بالمضاف إليه عنه ؛ فتقول تمتَّعت بالحديقةِ واسعةً .
فإذا لم يكن المضاف واحداً من الأمور الثلاثة المذكورة لم يَجُزْ أن يجيء الحال منه ؛ فلا تقول : جاء غُلاَمُ هندٍ ضاحكةً - خلافاً للفارسيِّ - لأن المضاف
( غلام ) ليس مما يعملُ عملَ فعلِه ، ولا هو جزء من المضاف إليه ، ولا مثل جُزْئِه .
قال الشارح : وقول ابن الناظم " إنّ هذه الصورة ممنوعة بلا خلاف " ليس بِجَيِّد فإنّ مذهب الفارسي جوازها ، كما تقدم .
اختلف النّحاة في مجيء الحال من المضاف إليه ، وضِّح هذا الخلاف ، ثم بيّن سبب اختلافهم .
1- ذهب سيبويه ، ومن وافقه كالفارسيّ : إلى أنه يجوز أن يجيء الحال من المضاف إليه مُطلقاً ( أي : سواء تحققّ في المضاف أحد الشروط الثلاثة السابقة ، أم لم يتحقَّق ) .
2- ذهب غيره من النّحاة ،ومنهم الأخفش ،وابن مالك : إلى أنه إذا تحقَّق أحد الشروط الثلاثة جاز مجيء الحال من المضاف إليه،وإن لم يتحقّق أحدها لم يَجُز.
والسبب في خلاف سيبويه ، وغيره من النحاة أنهم اختلفوا في : هل يجب أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحب الحال ، أم لا يجب ذلك ؟
فذهب سيبويه : إلى أنه لا يجب أن يكون العامل في الحال هو العامل في صاحبها ، بل يجوز أن يكون العامل فيهما واحداً ، ويجوز أن يكون مختلفاً ، وعلى ذلك أجاز أن يجيء الحال من المضاف إليه مطلقا .
وذهب غيره : إلى أنه لابدَّ من أن يكون العامل في الحال هو نفس العامل في صاحبها ، وعلى ذلك أجازوا مجيء الحال من المضاف إليه إذا تحقّق واحد من الشروط السابقة .
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .