انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

مصادر دراسة الشعرالجاهلي2

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة ضفاف عدنان اسماعيل الطائي       5/30/2011 3:06:43 PM

مصادر دراسة الشعر الجاهلي2

 

لم تتوقف القراءة التاريخية العربية الحديثة عند مسألة إثبات اتصال رواية الشعر الجاهلي سماعاً في الكثير من الأخبار، بل درجت تبحث في مسألة الرواة في حد ذاتهم، فأتت على التفصيل في طبقاتهم وما أُثر عنهم من أخلاقيات في الرواية والأمانة والموضوعية العلمية، وكان ديدنها في ذلك التمحيص الدقيق في مسألة لها علاقة مباشرة بأول مصدر من مصادر الشعر الجاهلي "الرواية الشفهية".‏

 

صنفت القراءة التاريخية العربية الحديثة الرواة إلى طبقتين، طبقة الرواة الهواة وطبقة الـرواة المحترفين؛ فـكان الرواة الهواة يلازمون شاعراً بعينه، يسمعون منه، ويحفظون شعره، ويتتلمذون له، ويحتذون فيما ينظمون نظمه، إلى أن يستقيم لهم فنهم، ويستطيعوا أن يصدروا عن موهبتهم الخاصة، فهم يروون شعره ليس من أجل إذاعته فحسب، بل من أجل أنفسهم أيضاً، فالرواية عندهم تدريب وهواية، فكانت ميزة الرواة الهواة أنهم يعتمدون في الغالب على الرواية الشفهية ولا يعتمدون على الكتابة إلا نادراً، وذلك ما جعل روايتهم لا ترقى إلى رواية الجيل الذي جاء من بعدهم، والذي امتاز بالاحترافية في الرواية باعتماده على الكتابة والتدوين، ينضاف إلى ذلك أن بعض هؤلاء الرواة الهواة لم يكونوا يلتزمون بالرواية لشاعر واحد فقط، بل كانوا يسمعون لأكثر من شاعر، ويحفظون لهم جميعاً، مما جعل روايتهم لا ترقى في نظر القراءة العربية الحديثة إلى درجة الرواية المحترفة التي يمكن أن تجعل منها مصدراً أساسياً في تدوين الشعر الجاهلي، على الرغم من أنها حلقة أساسية في رواية هذا الشعر لا يمكن إهمالها.‏

 

أما الطبقة الثانية - والتي تتشكل من أمثال المفضل الضبي والأصمعي وأبي عمروالشيباني - فتنظر إليها القراءة التاريخية العربية الحديثة من حيث أعلامها مثل الأمانة العلمية والتوثيق الرصين والاحتراف المتمكن، فكان لها الدور الرائد في تقويم ما اعوج في مسار رواية الشعر الجاهلي، ينضاف إلى ذلك أنها اعتمدت في تدوينها على وضع المصنفات التي مازالت إلى يومنا هذا ذُخر التراث العربي، وبذلك نقلت رواية الشعر العربي من مرحلة الشفهية البدوية إلى مرحلة الرواية الكتابية ذات البعد الحضاري المتمدن.‏

 

كان للتدوين في نظر القراءة التاريخية العربية الحديثة في أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث الدور الرئيس في التوثيق للشعر الجاهلي، بحيث انبرى ثُلة من الرواة الثقاة من مثل المفضل الضبي والأصمعي وأبو عمرو الشيباني إلى جمع مادة هذا الشعر في مختارات ودواوين شعراء وقبائل كما كان الأمر مع أبي عمرو الشيباني الذي جمع أشعار أكثر من ثمانين قبيلة ،فكان هؤلاء الرواة لا يدونون إلا ما يستوثقون منه، بل كانوا يرحلون إلى الصحراء للتحقق من صحة ما سمعوه. قالوا إن أبا عمرو الشيباني دخل البادية ومعه "دستيجتان" من حبر، فما خرج حتى أفناهما في كتابة ما سمع من الأعراب. كما كان بعض الأعراب يفدون الحواضر لإشباع نهم الرواة فيما يدونون، وهكذا نذر هؤلاء الرواة الثقاة العدول أنفسهم لتعقب الوضاع والمنتحلين ليميزوا الصحيح من الزائف، ويؤسسوا لرواية صحيحة تكون أساس الشعر الجاهلي، وينتشلوا النصوص الصحيحة من الأخبار التاريخية المملوءة بالوضع والتحريف، التي كانت تقف وراءها عوامل كثيرة منها العصبية، والنزعات الدينية والمذهبية والطائفية.‏

 

يرى الدارسون المحدثون في" المفضل الضبي " أبرز العلماء الرواة الثقاة لأنه كان راوية عالماً بأخبار العرب وأيامها وأشعارها ولغاتها، وقد أخذ عنه كثيرون من علماء الطبقة الثانية، وفي مقدمتهم الفراء والكسائي وابن الأعرابي، وإليه ينتهي إسناد كثير من الروايات الشعرية لدواوين الشعراء ودواوين القبائل على السواء، فبمثل المفضل الضبي انتقلت رواية الشعر الجاهلي من يد الرواة الهواة ورواة الأخبار التاريخية إلى يد الرواة العلماء بالشعر واللغة العربية، فمفضلياته تعد من أوثق مصادر الشعر الجاهلي، لأن صاحبها من الرواة الثقاة، على أنها تصور جوانب الحياة الجاهلية بأيامها وأحداثها وعلاقة القبائل بعضها ببعض، وبملوك الحيرة والغساسنة.‏

 

فالرواية المؤسسة هي السمة الرئيسة للمفضل الضبي في تعامله مع رواية الشعر الجاهلي. فالفحص والتمحيص والتوثيق من المقاييس الأساسية التي اعتمدها لقبول أي نص شعري جاهلي، وتلك ميزة الرواة العلماء، وهي المقاييس التي اعتمدتها رواية الرواة العلماء في التعامل مع رواية الشعر الجاهلي حتى أصبحت منهجا علمياً مأثوراً، فـقد كان لعلماء الرواية قواعد خاصة التزموا بها في فحص الشعر الجاهلي ودراسته، وتمحيصه وتوثيقه، ولم يقبلوا منه إلا ما ثبتت صحته، ولم يرووا منه إلا ما اطمأنوا إلى سلامته من الوضع والنحل، وكان حرصهم شديداً، في تحديد مصادرهم، لذلك كانوا يتحرزون جيّداً عن مخبريهم من الأعراب وغيرهم، وكان حرصهم أشد عند أخذهم من الرواة الشعراء الذين قد يدخلون شعرهم الذاتي في ثنايا القصائد والمقطوعات التي يروونها لآبائهم ولقبائلهم ، وبذلك كانت تسعى القراءة التاريخية الحديثة إلى التفصيل في مسألة الرواية والاستقصاء في مسائلها وأعلامها بغية إقامة الحجة العلمية في مسألة القول بأن ليس كل الشعر الجاهلي موضوعاً منحولاً، بل إن جل نصوصه موثقة من قبل علماء ثقاة حكّموا مقاييس علمية صارمة في التعامل مع روايته معتمدين على منهج قوامه التمحيص والتوثيق والتثبت.‏

 

تُعد الأصمعيات أيضا من "الدرر الشعرية" التي عمل صاحبها في تدوينها على أساس علميٍّ صارم مستمد من المقاييس التي سار عليها "الضبي" من تمحيص وتوثيق وتثبت، وهي كالمفضليات في الثقة بها، فعمل الأصمعي فيها بالإسناد عمن قبله في كثير من المواطن، وهو الذي لم يكن معروفاً عند الطبقة الأولى من الرواة العلماء، وبذلك أرسى أساساً صلباً للرواية باعتماده الإسناد، متأثراً في ذلك بعلوم الحديث النبوي الشريف وخاصة التجريح والتعديل،فالأصمعي ومن في طبقته من علماء المدرستين: البصرية والكوفية، كانوا الطبقة الأولى من الرواة العلماء، وأن من بعدهم قد روى عنهم، وأسند روايته حتى ارتفعت إليهم ثم انتهت عندهم، وأنهم لم يكونوا يسندون إلا في القليل النادر، فأضاف الأصمعي معلماً توثيقياً آخر لرواية الشعر الجاهلي، كان الدعامة القوية على صحة هذا الشعر وتمييزه من المنحول الموضوع، لذلك رأت القراءة العربية الحديثة في الأصمعيات عيوناً من الشعر العربي القديم التي يمكن الاعتماد عليها في تقديم الحجة على صحة الشعر الجاهلي، وأن منهج العلماء الرواة في رواية هذا الشعر لم يكن منهجاً مهتزاً ولا مضطرباً، وإنما كان منهجاً علمياً صارماً إدراكاً من الأصمعي ومن العلماء الرواة الآخرين.‏

 

إن قضية رواية الشعر الجاهلي قضية لابد وأن تُضبط بضوابط علمية صارمة حتى يُخْرج الصحيح من المنحول في هذا الشعر، وبذلك تُجَنب الثقافة العربية إشكالات تترتب عنها تبعات تسيء إلى التراث العربي في جملته.‏

 

 


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم