انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة

مصادردراسة الشعر الجاهلي1

Share |
الكلية كلية الاداب     القسم قسم اللغة العربية     المرحلة 1
أستاذ المادة ضفاف عدنان اسماعيل الطائي       5/30/2011 10:42:48 AM

مصادر الشعر الجاهلي1

 كان العرب في العصر الجاهلي يعتمدون في نقل أشعارهم على المشافهة مما كان لها أثر بالغ في جعل موضوع الرواية والرواة العصب الأساس الذي ارتكزت عليه القراءات الحديثة في كثير من الإشكالات التي أُثيرت حول الشعر الجاهلي ، خاصة وأن القراءات الحديثة قد وجدت نفسها تبحث في هذا الشعر الذي يمتد عمره في التاريخ العربي السحيق، ولم يُلتفت إلى تدوينه إلا في العصر الأموي مع انتقال العرب من طور الثقافة الشفهية إلى طور الاهتمام بالتدوين والكتابة كآلية لحفظ أصول الدين، وأصول اللغة العربية بما فيها الشعر الجاهلي بوصفه أحد الأصول الأساسية لهذه اللغة، يضاف إلى ذلك أنه يمثل ميراث الأجداد والحضارة في عمقها الاجتماعي والثقافي وحتى العقائدي، لذا كان لزاماً على الرواة أن يبادروا إلى تدوينه في قراطيس تحفظه من تلاعب عوامل الدهر بعد أن لبث أمداً طويلاً يعتمد في نقله على الرواية الشفهية.‏ 

 

لقد كان لتسرب الوضع في الرواية الشفهية للشعر الجاهلي بفعل عوامل عديدة منها العصبية الدينية وغيرها، كما كان الأمر بالنسبة للحديث النبوي الشريف في عصر ما قبل حركة التدوين في العصر العباسي الدور الأساس في إثارة إشكالية النحل والانتحال حول الشعر الجاهلي، بدءاً من عصر التدوين عند كثير من العلماء القدماء كابن سلام وغيره.‏ 

 

الرواية الشفهية وتدوين الشعر الجاهلي من الإشكالات التي تدارستها القراءة العربية الحديثة من أجل البحث في إشكاليات هذا الشعر، فعدها طه حسين في مؤلفه " في الشعر الجاهلي" من المرتكزات الأساسية التي تدعم طرحه في الشك في هذا الشعر، فبعد أن فرغ في طرح الأسباب العامة التي رآها كانت تحمل على الانتحال ، والتي تتصل بظروف الحياة السياسية والدينية والفنية للمسلمين، أراد أن يفصل في الأسباب التي تتصل بأشخاص أولئك الذين نقلوا إلينا شعر العرب ودونوه، وهؤلاء الأشخاص هم الرواة كحماد الراوية وحماد عجرد وحماد الزبرقان ومطيع بن إياس وأبي عمرو الشيباني، فكان لفساد مروءتهم وأخلاقهم الدور الرئيس في إمعانهم في الوضع في الشعر الجاهلي فإذا فسدت مروءة هؤلاء الرواة وأحاطت بهم مثل هذه الظروف، كان من الحق علينا ألا نقبل مطمئنين ما ينقلون إلينا من شعر القدماء، وبذلك تثير القراءة العربية الحديثة للشعر الجاهلي من خلال "طه حسين" إشكالية مصادر هذا الشعر لتفتح المسألة لكثير من الأقلام للبحث والتنقيب، واضعة نصب عينيها تجلية الحقيقة العلمية وفك الكثير من الخيوط التي تركتها عملية تدوين الشعر الجاهلي.‏ 

 

انبرت كثير من المقاربات للبحث عن مصادر الشعر الجاهلي، هادفةً إلى تجلية الحقيقة من حول هذا الشعر، ومن القراءات الرائدة في ذلك دراسة ناصر الدين الأسد التي وسمها بـ "مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية"، فخاض فيها الدروب الوعرة في قضايا تدوين هذا الشعر وفق منهج استقصائي واضح المعالم، معتمداً في ذلك على جهاز معرفي دقيق، فعمل من أجل إثبات كل ما يستند إلى سند علمي واضح المعالم في مسألة الشعر الجاهلي، وتوجس من كل ما لم يسنده المنهج العلمي، منطلقاً في إثبات المصادر الرئيسة للشعر الجاهلي من النصوص والروايات في حد ذاتها، فالمنهج العلميُّ الرصين في تحقيق مصادر صحة الشعر الجاهلي جعل القراءة التاريخية العربية الحديثة تبحث في الوسائل التي اعْتُمِدَ عليها في نقل هذا الشعر، حتى كُتِب ودُوِّنَ، فأثارت قضية الرواية والرواة حيث خصص ناصر الدين الأسد فصلاً كاملاً في مؤلفه لهذه المسألة سماه " الرواية والسماع".‏ 

 

إن ارتباط رواية الشعر الجاهلي بالشفهية هو الذي جعل القراءة التاريخية العربية الحديثة تركز عليها بوصفها المنفذ الذي يمكن أن يُطعن من خلاله في صحة الكثير من الشعر الجاهلي، كما حدث مع المستشرقين وطه حسين، كما اعتبرتها قراءات أخرى دليل إثبات على صحة هذا الشعر مع ناصر الدين الأسد في المؤلف السابق الذكر، وعز الدين إسماعيل في كتابه " المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي".‏ 

 

شكل السماع أساساً للرواية عند العرب قبل ظهور التدوين، وذلك ما راحت تبحث فيه القراءة العربية الحديثة، فاعتبرت الرواية المتصلة من الجاهلية حتى القرن الثاني الهجري لم يشبها تقطيع أو انقطـــاع؛ إذ أن رواية الجاهلية: أشعارها وأخبارها، لم تنقطع منذ الجاهلية، بل لقد اتصلت في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخلفائه الراشدين، واستمرت طوال القرن الأول حتى تسلمها العلماء الرواة من رجال القرن الثاني، ولم تكن ثمة فجوة تفصل هؤلاء الرواة العلماء عن العصر الجاهلي، وإنما تلقفوه عمن تقدمهم، وورثوه عمن سبقهم، رواية متصلة، وسلسلة محكمة ، يأخذها الخلف عن السلف، ويرويها الجيل بعد الجيل، حريصين عليها معنيين بها. ولم يشغلهم عن إنشاء الشعر وروايته، وذكر أخبار العرب وأيامهم ومفاخرهم ومثالبهم، في مجالسهم ومحافلهم، شاغل من الحرب أو فتنة، حتى لقد رأينا المسلمين الأولين، والمشركين من كفار قريش، لا ينقطعون عن إنشاد الشعر الجاهلي واستنشاده وروايته والتمثل به وتعلمه وحفظه، فأين هذا كله من قول ابن سلام وغيره، إن العرب تشاغلت عن الشعر لما جاء الإسلام " وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته. فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، وبذلك يؤكد صلابة الطرح الذي يعتمد في القول بصحة الشعر الجاهلي انطلاقاً من اتصال الرواية دون انقطاع مما يقلِّل من حظوظ التلف.‏ 

 

حُوفظ على اتصال الرواية الشفهية من حقبة زمنية إلى أخرى، بحيث كانت في العصر الجاهلي وعلى زمن الرسول (صلى الله علية وسلم ) والخلفاء الراشدين وطِوَال الفترة الأمية، ولتأكيد هذه الحقيقة فصَّل فيها ناصر الدين الأسد مستشهداً بعدة روايات وأخبار متواترة تثبت ذلك وتؤكده.‏ 

 

و الأمر نفسه تثبته قراءة عز الدين إسماعيل في مؤلفه "المصادر الأدبية واللغوية في التراث العربي"، فيؤكد أن رواية الشعر الجاهلي كانت متصلة من الجاهلية إلى أوائل القرن الثاني الهجري، لأن العرب أدركــوا منذ الجاهلية، وفي إطار النظام القبلي، قيمة الشعر والشاعر في حياتهم، ومن ثَمَّ كان احتفالهم بنبوغ شاعر منهم، وحرصهم على حفظ شعره وروايته جيلاً بعد جيل، لا يملون من هذا ولا يسأمون ... ومع عناية القبيلة كلها بشعر شاعرها كان لكل شاعر راوية خاص، وهو تقليد ظل مستمراً إلى عهد جرير والفرزدق في العصر الأموي ... فاتصلت حلقات الرواة الشعراء من الجاهلية إلى عصر بني أمية، وبذلك تـثبت القـراءة العربية الحـديثة صحـة الشعـر الجاهلي في أغـلب ما وصـل إلينا .إن هذا الطرح نفسه يتبناه طاهر مكي فيذهب إلى أن الرواية المتصلة للشعر الجاهلي لم تفتر ولو لفترة قليلة حتى حل عصر التدوين. وقد اضطلع الشعراء أنفسهم بدور هام في الرواية، فكانت لهم المدرسة التي يتعلمون فيها صوغ الشعر ونظمه، والتمرس بأساليب الكلام وفنون القول، ومن أراد أن يصبح شاعراً لزم واحداً من فحولهم، يحفظ عنه، ويروي له، ويرسم خطاه، ولدينا معلومات لا بأس بها عن اتصال هذه الرواية... ويصبح دور الراوي أكثر أهمية بعد وفاة الشاعر، لأنه يتعدى مهمة نشر القصائد إلى جمعها، وإظهار الظروف والمناسبات التي أوحت إليها، وتفسير الإشارات التاريخية التي تتضمنها، ويصبح بحكم الواقع أميناً على تراث هو ثمرة حياة صانعه، ومناط اهتمام القبيلة التي ينسب فيها، فذلك يعزز الأطروحات التي تسعى إلى إثبات صحة الشعر الجاهلي من روايته، فتجعل من قضية الرواية والرواة عنصر إثبات لا عنصراً يعزز ما ذهب إليه الشكاك من مستشرقين وعرب .‏ 

  


المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم