انت هنا الان : شبكة جامعة بابل > موقع الكلية > نظام التعليم الالكتروني > مشاهدة المحاضرة
الكلية كلية الاداب
القسم قسم اللغة العربية
المرحلة 4
أستاذ المادة سامر فاضل عبد الكاظم جاسم
08/05/2019 05:54:33
الاسبوع العاشر بناءً على ما تقدم، فقد يبدو للعالم بأسره أن التفكيك يحمل رسالة إنسانية من خلال النظرية النقدية التي تبناها، ودعا فيها إلى محاربة المفاهيم القمعية ، وكلنا يدرك أهمية نجاح الأطراف في حيازة خطاب ثقافي وطني على صعيد عالمي. من هنا يأتي الحديث عن التفكيكية باعتبارها مكتسباً نقدياً يعكس بشكل مباشر حق الإنسان في الاختلاف، وفي التعبير الحر عن هذا الاختلاف، في ما يمكن أن يسمى (تعددية التأويل) وفق بول ريكور[4]. إلا أن هذا الانفتاح اللانهائي المنكر للحد والحدود، والذي يجعل النص قابلاً للتأويل المستمر قد لا يجد له مناخاً مناسباً في المزاج العربي، فالبعض يتصدى للتفكيكية باعتبارها دعوة إلى السيولة والتسيب الفكري[5] يعكسان رغبة في نفي التعميمات والقوانين العامة وإثارة الشك في المعتقدات، وآنئذ يصبح القول بتعدد التفسيرات بصورة لا نهائية معضلة أمام بعض النصوص الثقافية العربية الدينية، ذلك أن التفكيكي” يحرق ويسلم لرياح النقد السوداء الكثير مما يعتبر عادة مقدساً، ويخلف وراءه قدراً كبيراً من كنوز الماضي، وقد لحق بهما سوء السمعة”[6]. من هنا نصل إلى القول: إن التفكيك يقتضي رغبة ملحة في التعددية الفكرية والمذهبية. فمن وجهة نظر معينة ضمن مزاج تاريخي وثقافي معين ينظر إلى التفكيك باعتباره رسالة إنسانية تحارب المفاهيم القمعية وتتصدى لها، ومن وجهة نظر أخرى فقد ينظر إليه باعتباره مدمراً للتقاليد وثورة عليها. عموماً يأتي التفكيك – بما يحمله من مفهوم الاختلاف الجامع بين الاختلاف والإرجاء – أداة منهجية لتقويض التمركز المنطقي في الفلسفة الأوروبية منذ اليونانيين[7]، في وقت نجد فيه من يقول: “إن التاريخ العقلاني للحضارة الغربية يجعلها مهيأة لما يسميه بالغزو التقويضي”[8]. فللتفكيكية بعد سياسي في التاريخ الأوروبي الحديث يتماشى مع توجهات شمولية جديدة ضد الفاشية والنازية، وهي توجهات وجدت قبولاً لدى مناهضي المحرقة اليهودية المزعومة، الذين سعوا إلى تأصيل الاختلاف، أو جعله الأصل أو المتن، بدلاً من أن يكون الهامش[9]. ولعل تأملات سعد البازعي في الصلة اليهودية بالتقويضية، تدعم إلى حد كبير مقولة الخصوصية الحضارية للنظرية النقدية، وهي تأملات ذهبت به إلى القول إن التقويض هو محصلة نقدية فلسفية للتراث التفسيري للتوراة، أو هو رؤية دينية عقلانية أو لا دينية للعالم، تنتهي إلى ما يسميه دريدا (لعب التفسير) أو عدم ثباته في مرجعية الحقيقة أو المعنى المتفق عليه. الأمر الذي يستند فيه البازعي إلى دراسات بعض المتخصصين في الدراسات العبرية، ومنهم سوزان هاندلمان التي تؤكد صلة الموروث العبري بالتقويض من خلال موت الإله، بمعنى أن الإله اليهودي منسحب وغائب عكس آلهة الإغريق الحاضرة، وبالتالي يتحول شعب الله إلى شعب الكتاب أثناء المدة الفاصلة بين النفي وعودة المسيح[10]. قد تشكل هذه المسألة عائقاً نفسياً بيننا وبين التفكيك[11]، لكن هذا لا يمنع من القول إن التفكيكية – في بعض نواحيها – مكتسب نقدي لا يلتقي مع غايات الغرب في جانبه القمعي الاستعماري، أو نظامه الذي تأسس على محو صورة الإنسان العادي، وعلى حساب الإنسان الفقير المهمش. وقد يبدو مصطلح التفكيكية Deconstruction مضلّلاً في دلالته المباشرة، حتى إن دريدا نفسه شكا من ترجمته إلى اللغات الأخرى ، إلا أنه ثرّ في دلالته الفكرية ، لأنه يدل في مستواه الدلالي العميق على تفكيك الخطابات والنظم الفكرية، وإعادة قراءتها بحسب عناصرها ، والاستغراق فيها وصولاً إلى الإلمام بالبؤر الأساسية المطمورة فيها([12])، وتسعى التفكيكية إلى تعويم المدلول المقترن بنمط ما من القراءة واستحضار المغيب بحثاً عن تخصيب مستمر للمدلول على وفق تعدّد قراءات الدال ، مما يفضي إلى متوالية لا نهائية من الدلالات . ومثلما أكّد الناقد التفكيكي الأمريكي بول دي مان Paul de man على انتهاء عصر تسلط العمل الأدبي ، وبدْء عصر جديد هو عصر سلطة القارىء، فقد نظرت التفكيكية إلى الخطاب بوصفه نظاماً غير منجز إلا في مستواه الملفوظ ، أي في التمظهر الخطي الذي قوامه الدوال ، لتعني بذلك أن الخطاب يُنتج باستمرار ولا يتوقف بموت كاتبه . ولهذا دعت التفكيكية إلى الكتابة بدل الكلام ، لانطواء الأولى على صيرورة البقاء بغياب المنتج الأول ، في حين يتعذر ذلك بالنسبة للكلام ، إلا في نطاق محدود جداً. لقد خلص ديريدا بعد دراسته التفكيكية لمحاورة أفلاطـون فـي ” فيدروس” إلى أنه إذا كان الكلام إطاراً للحضور والهوية والوحدة والبداهة ، فإن الكتابة إطار للغياب والاختلاف والتعدد والتباين([13]). ([1])-Christopher Norris: Deconstruction: Theory and Practice, Routledge, London NewYork, 2édition 1991, p: 2. ([2]) – ألف جاك ديريدا مجموعة من الكتب حول النظرية التفكيكية، منها: • De la grammatologie,Paris,Minuit,1967. • L’écriture et la différence,Paris,Seuil,1967. • La dissèmination,Paris,Seuil,1972. • Marges de la philosophie,Paris,Minuit,1972. • Memoires for Paul de Man, New York, Columbia .Univ.Press, 1986. ([3]) حديدي، صبحي: الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة، الكرمل، ع 51، ربيع 1997، ص 59. ([4]) حافظ، صبري، أفق الخطاب النقدي، ط1، دار شرقيات، 1996، ص 39. ([5]) سليمان، نبيل، فتنة السرد والنقد، دار الحوار، 1994، ص 78. ([6]) Leitch, Vincent B.; Deconstructive Criticism: An Advanced Introduction, London: Hutchinson & Co. 1983, P 67. وينظر حمودة، عبد العزيز، المرايا المحدبة، مرجع سابق، ص 171. ([7]) البازعي، سعد، استقبال الآخر، ص 87. ([8]) البازعي، سعد، استقبال الآخر، ص 81. ([9]) البازعي، سعد، استقبال الاخر، ص 88. [10] البازعي، سعد، استقبال الآخر، صفحات، 84، 85. عبّر دريدا عن عدم ثبات التفسير في تعليقه على قصائد جابيه، ومصدرها الأرضية المشتركة لتجربة الشتات اليهودي، والرحيل الدائم نحو مكان آخر دون حلم بالعودة، أي دون حنين للمعنى والحقيقة التي تمنح الاطمئنان. ويذكر أن إيمانويل لفيناس، وهو فيلسوف فرنسي يهودي، وضع ما اعتبره النموذج اليهودي للرحيل الأفقي، مقابل النموذج اليوناني للرحيل الدائرة، أي أنه وضع أسطورة يوليسيس العائد إلى إثاكا، مقابل قصة إبراهيم مغادراً وطنه إلى الأبد، نحو أرض مجهولة. [11] يصل البازعي إلى أن التفكيك له خصوصيته النابعة من خلفية دريدا الثقافية بوصفه يهودياً، والمعروف أنّه وقع بعض مقالاته بعبارة حاخام على نحو تحدثت عنه سوزان هاندلمان في كتابها قتلة موسى.البازعي، سعد، استقبال الآخر، ص 237. (3) عبد الله إبراهيم وآخرون، معرفة الآخر مدخل إلى المناهج النقدية الحديثة ، بيروت ، المركز الثقافي ، العربي ، 1990م، ص114 . ([13]) ينظر: دليل النظرية النقدية المعاصرة، مناهج وتيارات ، د. بســام قطّـــوس ، رئيس قسم اللغة العربية وآدابها كلية الآداب – جامعة الكويت(بحث منشور في الشبكة الالكترونية: صفحة 90 وما بعدها)(بتصرف بسيط).
المادة المعروضة اعلاه هي مدخل الى المحاضرة المرفوعة بواسطة استاذ(ة) المادة . وقد تبدو لك غير متكاملة . حيث يضع استاذ المادة في بعض الاحيان فقط الجزء الاول من المحاضرة من اجل الاطلاع على ما ستقوم بتحميله لاحقا . في نظام التعليم الالكتروني نوفر هذه الخدمة لكي نبقيك على اطلاع حول محتوى الملف الذي ستقوم بتحميله .
الرجوع الى لوحة التحكم
|